بعد 104 أعوام.. أسرار اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون ورحلة كنوز الفرعون الذهبي
بعد أكثر من قرن على أحد أبرز الاكتشافات الأثرية في تاريخ البشرية، لا تزال مقبرة الملك توت عنخ آمون تحتفظ بمكانتها الاستثنائية باعتبارها واحدة من أهم الشواهد على عظمة الحضارة المصرية القديمة، بعدما كشفت عن كنوز أثرية نادرة ظلت محفوظة لآلاف السنين بعيدا عن أيدي لصوص المقابر.
وبين الصدفة والبحث الأثري الطويل، ارتبط اسم عالم المصريات البريطاني هوارد كارتر بهذا الاكتشاف الذي غير نظرة العالم إلى تاريخ مصر القديمة، وأثار اهتماما عالميا لا يزال مستمرا حتى اليوم.
ومع مرور 104 أعوام على اكتشاف المقبرة، تتجدد التساؤلات حول تفاصيل العثور عليها، والظروف التي ساعدت على بقاء كنوزها، وكيف انتقلت مقتنياتها من وادي الملوك إلى المتحف المصري الكبير، لتصبح إحدى أبرز مجموعات الآثار المصرية التي تجذب أنظار الزوار من مختلف أنحاء العالم.
كيف قادت الصدفة إلى اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون؟
قال الدكتور خالد سعد، الخبير الأثري، إن اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون يمثل واحدا من أعظم الاكتشافات الأثرية في التاريخ، موضحا أن العثور عليها جاء بعد سنوات من البحث والتنقيب في منطقة البر الغربي بالأقصر.
وأوضح سعد، أن قصة اكتشاف المقبرة ارتبطت برواية تاريخية تتعلق بأحد أفراد عائلة عبد الرسول، التي عمل بعض أفرادها في مجال البحث عن الآثار والتعامل مع البعثات الأجنبية خلال تلك الفترة.
وأشار إلى أن إحدى الروايات المتداولة بشأن بداية الاكتشاف تتحدث عن سقوط إحدى جرار المياه التي كان يحملها صبي على ظهر حمار، ما أدى إلى انكشاف جزء من درجات سلم أثري كان مدفونا تحت طبقات من الرديم الناتج عن أعمال الحفر السابقة في المنطقة.
وأضاف أن هذه الدرجات قادت إلى اكتشاف مدخل المقبرة، التي كان هوارد كارتر والبعثات العاملة معه يبحثون عن آثارها في منطقة وادي الملوك.
لماذا ظلت مقبرة الفرعون الذهبي محتفظة بكنوزها؟
وأشار الخبير الأثري، إلى أن القيمة الاستثنائية لمقبرة توت عنخ آمون ترجع إلى احتفاظها بجزء كبير من مقتنياتها الجنائزية، ما أتاح للباحثين فرصة نادرة للتعرف على تفاصيل الحياة الملكية والمعتقدات الجنائزية والفنون المصرية القديمة خلال عصر الدولة الحديثة.
وأوضح أن بقاء المقبرة بعيدا عن أيدي اللصوص أسهم في الحفاظ على كنوزها، وجعل اكتشافها حدثا أثريا فارقا، خاصة مع العثور على مجموعة ضخمة من القطع المصنوعة من الذهب والمزينة بالنقوش والزخارف الدقيقة.
وأضاف أن القناع الذهبي للملك توت عنخ آمون أصبح من أشهر القطع الأثرية المصرية على مستوى العالم، نظرا لقيمته الفنية والتاريخية الكبيرة، وما يمثله من براعة المصري القديم في صناعة المعادن والفنون.
هل كانت مقبرة توت عنخ آمون المقبرة الملكية الوحيدة المكتشفة؟
وفجر الدكتور خالد سعد توضيحا بشأن إحدى المعلومات الشائعة عن المقبرة، مؤكدا أن مقبرة توت عنخ آمون لم تكن المقبرة الملكية الوحيدة التي عثر عليها كاملة، كما يعتقد البعض.
وأوضح أن هناك مقبرة ملكية أخرى عثر عليها في منطقة صان الحجر بمحافظة الشرقية، وهي مقبرة الملك بسوسنس الأول، الذي يطلق عليه لقب الفرعون الفضي، في مقابل توت عنخ آمون الذي اشتهر بلقب الفرعون الذهبي، بسبب كثرة المقتنيات الذهبية التي عثر عليها داخل مقبرته.
وأشار إلى أن هذا الاختلاف في الألقاب يرتبط بطبيعة المقتنيات الأثرية التي تميزت بها كل مقبرة، وما احتوته من قطع مصنوعة من المعادن النفيسة.
كيف احتفظت مصر بكنوز مقبرة توت عنخ آمون؟
وأكد الخبير الأثري أن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون ارتبط بمرحلة مهمة في تاريخ حماية الآثار المصرية، خاصة فيما يتعلق بمنع خروج المقتنيات الأثرية النادرة من البلاد، لافتا إلى أن التعامل مع مكتشفات المقبرة أسهم في ترسيخ أهمية وجود تشريعات تحافظ على التراث الأثري المصري، وتضمن بقاء القطع النادرة داخل مصر، باعتبارها جزءا من الهوية والتاريخ الوطني.
ولفت إلى أن مقتنيات المقبرة خضعت لعمليات تأمين ونقل وترميم قبل عرضها أمام الجمهور، موضحا أن عرض المجموعة الأثرية استغرق سنوات من العمل المتخصص للحفاظ على القطع وإعدادها للعرض المتحفي.
وأوضح سعد أن مقتنيات توت عنخ آمون مرت بمراحل متعددة من التأمين والنقل والترميم منذ اكتشاف المقبرة، وصولا إلى عرضها أمام الجمهور في المتاحف المصرية، مشيرا إلى أن انتقال المجموعة إلى المتحف المصري الكبير يمثل مرحلة جديدة في تاريخ عرض كنوز الملك الشاب، حيث تتيح إتاحة المجموعة بصورة متكاملة فرصة للتعرف على تفاصيلها وقيمتها الحضارية والفنية.
ويأتي عرض مقتنيات توت عنخ آمون ضمن الجهود الرامية إلى تقديم التراث المصري القديم بأساليب متحفية حديثة، تبرز ثراء الحضارة المصرية وقدرة المصري القديم على الإبداع في مجالات الفن والعمارة وصناعة الحلي والمعادن.
توت عنخ آمون.. اكتشاف غير تاريخ علم المصريات
واختتم الخبير الأثري حديثه بالتأكيد على أن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون لا يزال أحد أهم الأحداث التي شكلت تاريخ علم المصريات، نظرا لما قدمه من معلومات وكنوز أثرية ساعدت في فهم جوانب متعددة من الحياة في مصر القديمة.
وبعد مرور 104 أعوام على اكتشافها، تظل المقبرة شاهدا استثنائيا على عظمة الحضارة المصرية، كما تواصل كنوز الفرعون الذهبي جذب اهتمام الباحثين والسائحين، لتؤكد أن الآثار المصرية ليست مجرد مقتنيات تاريخية، وإنما سجل حضاري يحكي قصة واحدة من أعرق حضارات العالم.


