مؤامرة الحريم.. كيف انتهت حياة رمسيس الثالث؟
المحتويات
لم تكن نهاية الملك رمسيس الثالث، أحد أبرز ملوك مصر خلال عصر الدولة الحديثة، نهاية عادية لفرعون خاض حروبًا كبرى ودافع عن حدود البلاد؛ إذ ارتبطت وفاته بواحدة من أكثر المؤامرات إثارة في تاريخ القصر الملكي المصري، بعدما تحولت المنافسة على ولاية العرش إلى مخطط شارك فيه أفراد من الحريم الملكي ومسؤولون وقادة في الدولة، بهدف إقصاء الملك وتنصيب أمير آخر بدلًا من ولي العهد الذي اختاره.
وتُعرف هذه الواقعة تاريخيًا باسم «مؤامرة الحريم»، وهي القضية التي ظلت تفاصيلها محل نقاش بين الباحثين لقرون، خاصة فيما يتعلق بما إذا كانت المؤامرة قد نجحت بالفعل في اغتيال الملك أم أنها كانت محاولة انقلاب فاشلة. لكن الفحوص العلمية الحديثة لمومياء رمسيس الثالث كشفت عن إصابة بالغة في الرقبة، قدمت دليلًا قويًا على تعرضه للقتل بقطع حاد في الحلق، لتتحول القضية إلى واحدة من أشهر التحقيقات الجنائية الأثرية في التاريخ.
صراع على العرش.. زوجة ملكية تخطط لتنصيب ابنها
تعود أحداث المؤامرة إلى أواخر حكم رمسيس الثالث، الذي تولى العرش خلال الأسرة العشرين، ويُعد من آخر كبار ملوك الدولة الحديثة. وعلى الرغم من انتصاراته العسكرية في مواجهة الليبيين وشعوب البحر، فإن السنوات الأخيرة من حكمه شهدت صعوبات اقتصادية وإدارية، فضلًا عن اضطرابات داخلية وصراعات مرتبطة بمستقبل الحكم وانتقال السلطة.
وفي قلب هذه الأجواء، ظهرت الملكة تي، وهي إحدى الزوجات الثانويات للملك، التي سعت إلى تنصيب ابنها الأمير بنتاؤر على العرش، بدلًا من الأمير الذي وقع عليه اختيار رمسيس الثالث ليكون خليفته، والذي أصبح لاحقًا الملك رمسيس الرابع.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن المؤامرة لم تكن تحركًا فرديًا من داخل الحريم الملكي، بل امتدت إلى عدد من رجال القصر ومسؤولين وأصحاب مناصب مختلفة، من بينهم شخصيات عسكرية وإدارية، إلى جانب نساء من الحريم الملكي، في محاولة لتغيير ترتيب ولاية العرش والوصول إلى السلطة.
وكان الهدف الأساسي من المخطط إزاحة الملك رمسيس الثالث، وفتح الطريق أمام الأمير بنتاؤر لتولي الحكم، وهو ما جعل القضية تتجاوز خلافًا عائليًا داخل القصر إلى محاولة انقلاب على رأس الدولة المصرية.
وتُعد «بردية تورين القضائية» من أهم الوثائق التي حفظت تفاصيل هذه الواقعة، إذ تتضمن سجلات المحاكمات والتحقيقات التي أعقبت اكتشاف المؤامرة، وتذكر أسماء عدد من المتهمين والاتهامات الموجهة إليهم والعقوبات التي صدرت بحقهم.
وتكشف البردية عن حجم القضية وتشعبها، إذ لم تقتصر الاتهامات على الملكة تي وابنها، وإنما شملت مجموعة من العاملين في القصر وشخصيات ذات نفوذ، كما تضمنت محاكمة عدد من القضاة الذين ارتبطت أسماؤهم بالقضية.
ورغم أن البردية لا تقدم وصفًا مباشرًا وحاسمًا لكيفية وفاة الملك، فإنها توثق المحاكمات التي أعقبت المؤامرة، وتكشف أن الصراع على العرش كان قد وصل إلى مرحلة شديدة الخطورة داخل المؤسسة الملكية.
مومياء الملك تكشف الجريمة.. جرح عميق في الرقبة وقدم مبتورة
ظل السؤال الأهم في القضية قائمًا لسنوات طويلة: هل نجحت المؤامرة في قتل رمسيس الثالث بالفعل، أم أن الملك نجا من محاولة الاغتيال ثم توفي لاحقًا؟
وجاءت الإجابة من خلال التكنولوجيا الحديثة، عندما خضعت مومياء الملك لفحوص بالأشعة المقطعية ضمن دراسة علمية شارك فيها عدد من الباحثين المصريين والدوليين، ونُشرت نتائجها في دورية «BMJ» الطبية عام 2012.
وأظهرت صور الأشعة وجود جرح عميق وواسع في منطقة الرقبة، أسفل الحنجرة مباشرة، بلغ امتداده نحو 70 ملليمترًا، ووصل إلى الفقرات العنقية، مع قطع واضح في القصبة الهوائية والأوعية الدموية والأنسجة الموجودة في هذه المنطقة.
ورجح الباحثون أن الإصابة نتجت عن استخدام أداة حادة، مثل السكين، وأنها كانت خطيرة بما يكفي للتسبب في وفاة الملك بصورة سريعة، وهو ما دعم فرضية مقتله خلال مؤامرة الحريم.
ومن التفاصيل اللافتة التي كشفتها الفحوص وجود تميمة على هيئة عين حورس داخل الجرح، ويُعتقد أن القائمين على عملية التحنيط وضعوها في موضع الإصابة ضمن محاولات ترميم جسد الملك وتجهيزه للعالم الآخر، كما غُطيت منطقة الرقبة بطبقات سميكة من الكتان.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد؛ ففي دراسة أخرى نُشرت عام 2017، أعاد الباحثون فحص قدمي مومياء رمسيس الثالث باستخدام الأشعة المقطعية، واكتشفوا أن إصبع القدم الكبير في القدم اليسرى كان مبتورًا جزئيًا، دون وجود علامات تشير إلى محاولة التئامه، ما يرجح تعرضه لإصابة عنيفة في وقت قريب من الوفاة.
كما عُثر على بديل مصنوع من الكتان لتعويض الجزء المفقود من الإصبع، إلى جانب تمائم وُضعت في منطقة القدمين خلال عملية التحنيط. وقد اعتبر الباحثون أن هذه الإصابة تقدم دليلًا إضافيًا على تعرض الملك لاعتداء جسدي، وإن كانت لا تحدد بمفردها جميع تفاصيل الهجوم أو هوية منفذيه.
الرجل المجهول «E».. هل كان الأمير بنتاؤر صاحب المومياء الصارخة؟
ومن أكثر جوانب القضية إثارة قصة المومياء المعروفة باسم «الرجل المجهول E»، والتي عُثر عليها ضمن خبيئة المومياوات الملكية في الدير البحري، بالقرب من مومياء رمسيس الثالث.
واكتسبت هذه المومياء شهرة واسعة بسبب ملامح وجهها غير المعتادة، وفمها المفتوح وتعبيراتها المتشنجة، حتى أُطلق عليها إعلاميًا اسم «المومياء الصارخة»، كما أثارت طريقة تحنيطها غير التقليدية تساؤلات الباحثين حول هوية صاحبها والظروف التي انتهت بها حياته.
وأظهرت الفحوص العلمية أن صاحب المومياء كان شابًا يتراوح عمره التقديري بين 18 و20 عامًا، كما كشفت التحليلات الجينية عن وجود صلة قرابة من جهة الأب بينه وبين رمسيس الثالث، وهو ما دفع الباحثين إلى طرح احتمال أن يكون الأمير بنتاؤر، ابن الملك المتهم بالمشاركة في مؤامرة الحريم.
وربطت الدراسة بين هذه النتائج وبين ما ورد في الوثائق التاريخية عن مصير الأمير، لكنها لم تقدم إثباتًا قاطعًا بأن المومياء تعود إليه بالاسم؛ لذلك يظل تحديد هويته باعتباره بنتاؤر احتمالًا علميًا يستند إلى مجموعة من القرائن، وليس حقيقة محسومة بصورة نهائية.
كما أثارت طريقة تحنيط الرجل المجهول اهتمام الباحثين، إذ اختلفت عن الممارسات المعتادة في تحنيط الملوك، وعُثر على جسده ملفوفًا بطريقة غير مألوفة، مع وجود جلد ماعز حوله، وهي تفاصيل ناقشتها الدراسة في سياق احتمال ارتباطها بعقوبة أو معاملة استثنائية بعد الوفاة.
وهكذا لم تكشف المومياء الصارخة عن هوية صاحبها بشكل نهائي، لكنها أضافت خيطًا مهمًا إلى واحدة من أكثر القضايا غموضًا في التاريخ المصري القديم.
محاكمات المتآمرين.. من تولى العرش بعد وفاة رمسيس الثالث؟
لم تنتهِ القصة عند اكتشاف المؤامرة، بل امتدت إلى سلسلة من المحاكمات التي سجلتها بردية تورين القضائية، والتي تضمنت اتهامات لعدد من المتورطين، إلى جانب العقوبات التي صدرت بحقهم.
وتشير الوثيقة إلى أن بعض المتهمين صدرت بحقهم أحكام بالإعدام أو أُجبروا على إنهاء حياتهم، كما تعرض آخرون لعقوبات جسدية قاسية، بينما شملت المحاكمات شخصيات من مستويات مختلفة داخل القصر والإدارة.
أما الأمير بنتاؤر، الذي ارتبط اسمه بالمخطط، فتشير القراءة الشائعة للوثائق والدراسات إلى أنه أُجبر على الانتحار، لكن تفاصيل مصيره النهائي وهوية المومياء التي يُحتمل أن تكون له لا تزال محل نقاش علمي.
ورغم محاولة تغيير ترتيب ولاية العرش، فإن الأمير الذي اختاره رمسيس الثالث خلفًا له تولى الحكم باسم رمسيس الرابع، وهو ما يعني أن المؤامرة لم تحقق هدفها النهائي في تنصيب بنتاؤر ملكًا على مصر.
وتبقى مؤامرة الحريم واحدة من الوقائع التي تكشف الوجه الآخر للحياة داخل القصور الملكية، حيث لم تكن السلطة محصنة من الصراعات العائلية والمنافسة على الحكم، حتى في عهد الملوك الذين ارتبطت أسماؤهم بالانتصارات العسكرية والمشروعات الكبرى.
واليوم، تقدم بردية تورين القضائية، إلى جانب الفحوص الطبية والجينية لمومياء رمسيس الثالث والرجل المجهول «E»، نموذجًا استثنائيًا لكيفية تعاون علم المصريات مع الطب الشرعي والتكنولوجيا الحديثة لإعادة قراءة أحداث وقعت قبل آلاف السنين، وتحويل مومياء ملكية إلى شاهد مادي على واحدة من أشهر مؤامرات الاغتيال في التاريخ القديم.
- # رمسيس الثالث
- # مؤامرة الحريم
- # بردية تورين القضائية
- # الملكة تي
- # الأمير بنتاؤر
- # المومياء الصارخة
- # مومياء رمسيس الثالث
- # الأسرة العشرون
- # ملوك مصر القديمة
- # أسرار الفراعنة
- # مصر
- # الملك رمسيس الثالث
- # عصر الدولة الحديثة
- # القصر الملكي
- # البحر
- # ملوك مصر
- # الدولة الحديثة
- # المشروعات الكبرى
- # ملوك الدولة الحديثة
- # الوثائق التاريخية