رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

زيادة أعداد السائحين أم رفع الإنفاق؟ ما الذي تحتاجه السياحة المصرية ؟

منتجع سياحي
منتجع سياحي

 كيف تستفيد مصر من زيادة أعداد السائحين لتحقيق أكبر قيمة اقتصادية ممكنة؟

يأتي هذا التساؤل في وقت تواصل فيه السياحة المصرية تسجيل مؤشرات نمو؛ إذ استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح خلال عام 2025، بزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، وفقًا لوزارة السياحة والآثار. لكن المرحلة المقبلة تطرح تحديًا يتجاوز جذب مزيد من الزائرين، ويتمثل في تعظيم العائد من كل رحلة سياحية، مع الحفاظ على تنافسية المقصد المصري واستدامة نمو القطاع.

19 مليون سائح.. ماذا بعد تحقيق النمو؟

يمثل ارتفاع أعداد السائحين مؤشرًا مهمًا على جاذبية المقصد المصري وقدرته على استقطاب أسواق مختلفة، خاصة مع تنوع المنتجات السياحية بين الشواطئ والآثار والرحلات النيلية والسياحة الترفيهية. غير أن قراءة أداء القطاع تحتاج إلى النظر إلى مؤشرات أخرى، مثل الإيرادات السياحية، وعدد الليالي التي يقضيها الزائر، ومتوسط إنفاقه، ومدى استفادة الأنشطة الاقتصادية المحلية من وجوده.

ووفقًا لبيانات استعرضها مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء في سبتمبر 2026، بلغ عدد السائحين الوافدين إلى مصر 12.7 مليون سائح خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، مقابل 12.2 مليون خلال الفترة نفسها من عام 2025. كما ارتفعت الإيرادات السياحية خلال الفترة ذاتها إلى 12 مليار دولار، مقابل 11.8 مليار دولار في الفترة المقارنة. 

وتوضح هذه المؤشرات أهمية متابعة الأعداد والإيرادات معًا، دون الاكتفاء بأحدهما لتقييم الأداء. فزيادة عدد الزائرين لا تعني بالضرورة ارتفاع الإنفاق بالوتيرة نفسها، كما أن الإيرادات تتأثر بعوامل متعددة، منها الأسواق المصدرة للسياحة، وطبيعة الرحلات، وأسعار الخدمات، ومدة الإقامة.

الإنفاق السياحي.. كيف تحصل مصر على عائد أكبر من كل رحلة؟

يمثل رفع متوسط إنفاق السائح أحد المسارات المهمة لتعظيم العائد الاقتصادي من السياحة، ولا يعني ذلك بالضرورة زيادة الأسعار، بل تقديم تجارب وخدمات متنوعة تمنح الزائر أسبابًا إضافية للإنفاق.

ويمكن تحقيق ذلك من خلال توسيع الأنشطة المصاحبة للإقامة، مثل الجولات الثقافية، والرحلات النيلية، والأنشطة البحرية، والتجارب المرتبطة بالمطبخ المحلي والحرف التقليدية، إلى جانب الفعاليات الترفيهية والثقافية. وكلما تنوعت الخيارات المتاحة أمام السائح، زادت فرص توزيع الإنفاق على قطاعات مختلفة، بدلًا من اقتصاره على الإقامة والانتقالات الأساسية.

كما تبرز أهمية قياس متوسط الإنفاق بحسب الأسواق السياحية وأنماط السفر، لأن احتياجات السائح الذي يأتي لقضاء عطلة شاطئية تختلف عن احتياجات زائر يخطط لرحلة ثقافية أو بحرية. ويساعد فهم هذه الفروق في تصميم برامج أكثر ملاءمة لكل فئة، وتحسين كفاءة الحملات التسويقية.

إطالة مدة الإقامة.. فرصة لزيادة العائد

تُعد مدة الإقامة من المؤشرات التي تستحق اهتمامًا أكبر في تقييم أداء السياحة، فكل ليلة إضافية قد تعني إنفاقًا على الإقامة والطعام والانتقالات والأنشطة المختلفة، بحسب طبيعة رحلة الزائر.

ومن هنا، تبرز أهمية ربط المقاصد السياحية في برامج متكاملة تتيح للسائح الانتقال من تجربة إلى أخرى. فبدلًا من اقتصار الرحلة على الشاطئ، يمكن تقديم برنامج يجمع بين السياحة الشاطئية وزيارة المواقع الأثرية أو المتاحف، أو يضم رحلة نيلية وتجارب ثقافية وترفيهية.

ويعتمد نجاح هذا التوجه على سهولة الانتقال بين المدن والمقاصد، وتوافر خدمات الحجز والمعلومات، والتنسيق بين شركات السياحة والفنادق ومقدمي الأنشطة. كما أن تنويع البرامج يساعد على تقديم أسباب للزيارة في مواسم مختلفة، بما يخفف الاعتماد على فترات الذروة السياحية وحدها.

التوسع الفندقي.. ضرورة لمواكبة النمو

لا يمكن زيادة أعداد السائحين أو تحسين مستوى التجربة السياحية دون توافر طاقة استيعابية مناسبة وخدمات فندقية متنوعة. وتكتسب الاستثمارات في الفنادق أهمية خاصة مع تنامي الحركة السياحية، لكن نجاح التوسع لا يرتبط بعدد المنشآت والغرف فقط، بل بمدى ملاءمتها للطلب، وتوزيعها الجغرافي، ومستوى الخدمة التي تقدمها.

وفي هذا السياق، تناولت لقاءات وزير السياحة والآثار شريف فتحي على هامش القمة السادسة والعشرين للمجلس العالمي للسياحة والسفر في مالطا خطط التوسع في السوق المصرية لكل من مجموعتي ماريوت وهيلتون، إلى جانب بحث التعاون في تدريب العاملين وتنمية مهاراتهم والاستفادة من الشبكات العالمية للمجموعتين في الترويج للمقصد المصري.

وتفتح هذه التحركات المجال لمناقشة كيفية تحويل الاستثمارات الفندقية إلى قيمة مضافة للاقتصاد، من خلال توفير فرص العمل، وتحسين التدريب، ورفع مستوى الخدمات، وتعزيز ارتباط الفنادق بالموردين والمنتجات المحلية. ومع ذلك، تظل النتائج الفعلية مرتبطة بما يُنفذ من مشروعات وبرامج على أرض الواقع.

السياحة العربية.. سوق مهمة للتوسع

يُعد تعزيز السياحة البينية العربية أحد المسارات التي تناولتها اللقاءات المصرية السعودية، في ضوء العلاقات بين البلدين وفرص زيادة حركة السفر في الاتجاهين. كما ناقش الجانبان التطور السياحي والاستثماري في الساحل الشمالي، وما يمثله من وجهة جاذبة للسائح السعودي، إلى جانب التعاون في مجال سياحة اليخوت.

ويتطلب الاستفادة من هذه السوق فهم تفضيلات المسافرين، وتقديم برامج تناسب العائلات ومختلف فئات الزائرين، إلى جانب تحسين سهولة الحجز والوصول إلى المعلومات والخدمات. ويمكن أن يساعد الترويج الرقمي الموجه على إبراز تنوع المقاصد المصرية، وعدم حصر الصورة السياحية في منتج واحد أو موسم محدد.

كما أن زيادة الحركة العربية لا ينبغي أن تُقاس بالأعداد فقط، بل بمدة الإقامة وتنوع الأنشطة ومستوى رضا الزائر، وهي مؤشرات تساعد على تطوير البرامج السياحية وتعزيز فرص تكرار الزيارة.

الذكاء الاصطناعي والتسويق.. الوصول إلى السائح المناسب

تتجه صناعة السياحة عالميًا إلى الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في تحليل اهتمامات المسافرين وتخصيص الحملات الترويجية وتحسين تجربة الحجز. وفي هذا السياق، استعرض وزير السياحة والآثار خلال لقائه بنائب وزير السياحة السعودي توجه الوزارة نحو التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الترويج للمقصد المصري.

ويمكن توظيف هذه الأدوات في فهم اهتمامات الأسواق المختلفة، وتقديم محتوى يناسب طبيعة كل فئة، وتحسين الوصول إلى الزائر المحتمل في الوقت المناسب. كما يمكن أن تسهم البيانات في تقييم الحملات التسويقية وتحديد المنتجات التي تحظى باهتمام أكبر.

لكن فاعلية التكنولوجيا لا تتوقف على استخدامها وحده، بل ترتبط بجودة البيانات، ووضوح الأهداف، والقدرة على قياس النتائج. فالمعيار الحقيقي ليس عدد المشاهدات أو التفاعلات فقط، وإنما مدى مساهمة الحملات في تحويل الاهتمام إلى حجوزات وزيارات فعلية وعائد اقتصادي.

جودة الخدمة والتدريب.. العامل الحاسم في المنافسة

تظل جودة التجربة السياحية عنصرًا أساسيًا في قدرة المقصد على الاحتفاظ بجاذبيته، وتشمل مستوى الإقامة، والنقل، والإرشاد، والنظافة، وسهولة الحصول على المعلومات، والتعامل مع شكاوى الزائرين.

ولهذا، فإن التعاون الذي جرى بحثه مع مجموعتي ماريوت وهيلتون بشأن تدريب العاملين وتنمية مهاراتهم يمكن أن يمثل مجالًا مهمًا لتطوير الكفاءات المصرية، إذا تُرجم إلى برامج تدريب واضحة وفرص عملية لاكتساب الخبرات الدولية.

كما أن الاستثمار في العامل البشري لا يقل أهمية عن التوسع في المنشآت؛ فالتجربة الإيجابية قد تشجع السائح على تكرار الزيارة والتوصية بالمقصد لآخرين، بينما قد تؤثر مشكلات الخدمة في صورة الوجهة مهما كانت مقوماتها الطبيعية والتاريخية.

ما الذي تحتاجه السياحة المصرية في المرحلة المقبلة؟

تحتاج المرحلة المقبلة إلى التعامل مع نمو السياحة باعتباره منظومة متكاملة، تجمع بين جذب الزائرين وتعظيم العائد من وجودهم. ويتطلب ذلك متابعة مؤشرات الأداء بصورة منتظمة، تشمل أعداد الوافدين والإيرادات ومتوسط الإنفاق ومدة الإقامة ومستوى رضا السائحين، إلى جانب معدلات الإشغال وتوزيع الحركة على المقاصد والمواسم.

كما تبرز أهمية تنويع الأسواق المصدرة للسياحة، وتطوير منتجات جديدة، وتحسين الربط بين المقاصد، وتوسيع الطاقة الفندقية وفقًا للطلب، وتعزيز التدريب وجودة الخدمات، والاستفادة من التكنولوجيا في الترويج وقياس النتائج. وتكتمل هذه الجهود بتعاون فعال بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص وشركات السياحة والطيران والفنادق.

 

تم نسخ الرابط