أين اختفت نقوش مقبرة رمسيس الثاني؟ قصة السيول التي ضربت KV7
إذا دخلت اليوم مقبرة الملك رمسيس الثاني في وادي الملوك، والمعروفة أثريًا باسم KV7، فقد يكون الانطباع الأول مفاجئًا: ممرات طويلة، أجزاء واسعة تبدو خالية من الزخارف، ورديم وآثار تلف شديد، وهيئة لا تتناسب مع مكانة ملك حكم مصر لأكثر من ستة عقود.
لكن هذا المشهد الحالي لا يعني أن المقبرة كانت غير مكتملة عند وفاة رمسيس الثاني.
على العكس، تشير الدراسات الأثرية إلى أن KV7 كانت مقبرة ملكية ضخمة ومتكاملة، أُعدت لرمسيس الثاني في وادي الملوك، وظلت المقبرة مرتبطة به باعتبارها مكان دفنه الأصلي. وتوضح بعثة كريستيان لوبلان الفرنسية أن أعمال إنشاء المقبرة بدأت مبكرًا جدًا في حكم رمسيس الثاني، وأن إنجازها لم يستغرق سوى نحو 10 أو 12 عامًا، أي أن طول فترة حكم الملك لم يكن عائقًا أمام اكتمال مقبرته.
لماذا تبدو المقبرة اليوم مدمرة إلى هذه الدرجة؟
الإجابة الأساسية هي السيول.تقع KV7 في منطقة منخفضة نسبيًا من وادي الملوك، وهو ما جعلها أكثر تعرضًا لمياه السيول التي تهبط بصورة مفاجئة من المرتفعات المحيطة بالوادي.
وتشير دراسة كريستيان لوبلان إلى أن المقبرة تعرضت لما لا يقل عن 12 موجة أمطار وسيول عنيفة عبر تاريخها، وأن أعمال الحفائر الحديثة نجحت في إزالة كميات ضخمة من الرواسب والرديم الذي تراكم داخل المقبرة.
ولم تكن المشكلة مجرد دخول المياه إلى المقبرة؛ فالسيول تحمل معها الطمي والحصى والمواد الصخرية، ما أدى عبر آلاف السنين إلى إتلاف أجزاء كبيرة من الزخارف، كما ساهمت الرواسب في طمر أجزاء من المقبرة.
ولهذا فإن الزائر الذي يرى اليوم جدرانًا فقدت الكثير من ألوانها ونقوشها لا يرى بالضرورة الصورة التي كانت عليها المقبرة في عصر رمسيس الثاني.
وتؤكد المصادر الخاصة بالمقبرة أن زخارفها تعرضت لأضرار جسيمة بسبب السيول، وأن جزءًا كبيرًا منها أصبح مفقودًا أو متضررًا بصورة لا تسمح بإعادته إلى حالته الأصلية.
هل كانت المقبرة فعلًا بلا نقوش؟
لا.
كان البرنامج الزخرفي للمقبرة يتضمن مجموعة من النصوص والمناظر الجنائزية، من بينها عناصر مرتبطة بـكتاب البوابات، وكتاب الموتى، والأمدوات، وتلاوات رع، وطقوس فتح الفم، فضلًا عن مناظر ملكية ودينية.
وما تبقى اليوم من هذه العناصر، إلى جانب الشواهد الأثرية التي عُثر عليها خلال أعمال التنقيب، يساعد الباحثين على إعادة تصور البرنامج الزخرفي للمقبرة رغم حالة التلف الكبيرة التي لحقت بها.
ومن هنا تأتي المفارقة: المقبرة التي يراها الزائر اليوم ليست مقبرة لم تُستكمل، وإنما مقبرة تعرضت لعملية تدمير طبيعية وتاريخية طويلة.
ولماذا اختار رمسيس الثاني وادي الملوك؟
وجود العاصمة الملكية في الشمال لم يكن معناه أن الملك كان سيُدفن بجوارها. فقد أصبحت بر-رعمسيس مركزًا مهمًا للحكم في شرق الدلتا خلال عصر رمسيس الثاني، وتقع بقاياها بالقرب من قنتير الحالية في محافظة الشرقية. لكن المقابر الملكية في عصر الدولة الحديثة ظلت تُحفر في جبانة طيبة، في البر الغربي للأقصر.
ولهذا فإن وجود العاصمة السياسية في الدلتا لا يتعارض مع وجود المقبرة الملكية في وادي الملوك.
وبالفعل، كان رمسيس الثاني قد أقام مشروعات ضخمة في طيبة، من بينها الرامسيوم، معبده الجنائزي الشهير في البر الغربي، الذي لا يزال شاهدًا على حجم البرنامج المعماري الذي ارتبط بحكمه.
هل بنى رمسيس الثاني مقبرة لنفسه في بر-رعمسيس؟
لا توجد لدينا مقبرة ملكية لرمسيس الثاني في بر-رعمسيس يمكن اعتبارها بديلًا لـKV7.المقبرة التي نعرفها وننسبها إلى الملك هي KV7 في وادي الملوك، وهي المقبرة التي أُعدت لدفنه بالفعل. وتؤكد المصادر الأثرية الخاصة بها أن رمسيس الثاني دُفن فيها قبل أن تُنقل مومياؤه لاحقًا.
أما الربط بين اختيار وادي الملوك وبين اعتبارات المياه الجوفية في الدلتا، فينبغي التعامل معه بحذر؛ فهذه ليست الصيغة التي يمكن إثباتها بصورة مباشرة من النصوص القديمة. والأدق القول إن التقاليد الجنائزية الملكية في الدولة الحديثة جعلت وادي الملوك جبانة الملوك الرئيسية، بالتوازي مع وجود مراكز الحكم والقصور في أماكن أخرى من مصر.
أين مات رمسيس الثاني؟
يرجح أن رمسيس الثاني توفي في أواخر عهده، حوالي عام 1213 قبل الميلاد، بعد حكم طويل تجاوز ستة عقود، وتضع بعض التقديرات عمره عند الوفاة في حدود 90 عامًا.
أما مكان الوفاة، فترتبط التقديرات بمدينة بر-رعمسيس باعتبارها مقرًا ملكيًا رئيسيًا في أواخر عهده، لكن تفاصيل اللحظات الأخيرة للملك ليست موثقة لدينا بسجل تاريخي مباشر يصف مكان الوفاة بدقة قاطعة.
وتكشف دراسة حديثة اعتمدت على التصوير المقطعي للمومياء أن تقدير عمر رمسيس الثاني عند الوفاة يقترب من 90 عامًا، كما أظهرت الدراسة مشكلات صحية متقدمة، بينها فقدان عدد من الأسنان ووجود تجويف خراج كبير عند جذر أحد الأضراس.
وتشير الفحوصات أيضًا إلى أن المومياء تحمل آثارًا لأمراض مرتبطة بالتقدم في العمر، من بينها مشكلات شديدة في المفاصل والأسنان. لذلك فإن وصف وفاته بأنها نتيجة «أمراض الشيخوخة» يمكن قبوله بوصفه تفسيرًا طبيًا عامًا، لكن لا ينبغي تحويله إلى تشخيص واحد مؤكد لسبب الوفاة.
لماذا لم نجد مومياء رمسيس الثاني في مقبرته؟
وهنا تبدأ واحدة من أكثر قصص المومياوات الملكية إثارة. مقبرة KV7 تعرضت للنهب في العصور القديمة، كما شهدت جبانة وادي الملوك في أواخر عصر الدولة الحديثة عمليات سلب واسعة للمقابر الملكية.
ولهذا جرى إعادة دفن عدد من المومياوات الملكية في أماكن أكثر أمنًا. وتشير الدلائل النصية إلى أن مومياء رمسيس الثاني نُقلت أولًا من مقبرته، ثم أعيد دفنها في مقبرة والده سيتي الأول KV17، قبل أن تصل في النهاية إلى الخبيئة الملكية DB320 في الدير البحري. وتسجل الدوكيومنتات المكتوبة على تابوت المومياء عمليات إعادة الدفن والنقل.
وفي عام 1881 اكتُشفت الخبيئة الملكية في الدير البحري، وضمت عددًا كبيرًا من المومياوات الملكية، ومن بينها مومياء رمسيس الثاني.
وبذلك فإن عدم العثور على جسد رمسيس الثاني داخل KV7 لا يعني أنه لم يُدفن فيها؛ بل إن الأدلة تشير إلى أنه دُفن فيها أولًا ثم نُقلت مومياؤه لاحقًا ضمن عمليات إعادة دفن المومياوات الملكية.
من المقبرة إلى الخبيئة.. ثم إلى المتحف
بعد اكتشاف الخبيئة الملكية في الدير البحري، أصبحت مومياء رمسيس الثاني واحدة من أشهر المومياوات الملكية التي خضعت للدراسة العلمية.
وأجريت عليها فحوص متعددة عبر العقود، ومن بينها دراسات طبية وتصوير مقطعي ساعدت في معرفة الكثير عن عمر الملك وحالته الصحية.
وتوجد مومياء رمسيس الثاني اليوم ضمن مجموعة المومياوات الملكية في المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط.
إذن.. ماذا رأى الزائر داخل أول 30 مترًا؟
الزائر لم يدخل «مقبرة غير مكتملة»، وإنما دخل إلى بقايا مقبرة ملكية تعرضت عبر آلاف السنين لعوامل قاسية، كان من أبرزها السيول المتكررة التي غمرت أجزاء منها وحملت معها الرواسب والحصى والطمي، إلى جانب عمليات النهب والتدخلات البشرية اللاحقة.
وتوضح أعمال البعثة الفرنسية المصرية بقيادة كريستيان لوبلان أن المقبرة ما زالت موضوعًا للبحث والتنقيب والترميم، وأن إزالة الرديم ودراسة بقايا الزخارف تساعد على فهم شكلها وبرنامجها الأصلي.
وهكذا فإن الصورة التي يراها السائح اليوم لا تحكي وحدها قصة المقبرة.فخلف الجدران التي تبدو عارية اليوم، كانت هناك مقبرة ملكية مزخرفة ومتكاملة، لكن الزمن والسيول والنهب أعادوا تشكيلها حتى أصبحت تبدو مختلفة تمامًا عن صورتها الأصلية.
وربما تكون المفارقة الأجمل أن رمسيس الثاني، الذي حكم مصر أكثر من ستة عقود وترك آثارًا ضخمة في أنحاء البلاد، لم تستطع مقبرته أن تصمد أمام أحد أقوى عوامل الطبيعة في وادي الملوك: السيول المفاجئة التي نحتت الجبل، وأتلفت الزخارف، وطمرت الممرات، وتركت لنا اليوم جزءًا فقط من الصورة التي أراد الملك أن ترافقه إلى الأبد.
- # مقبرة رمسيس الثاني
- # رمسيس الثاني
- # KV7
- # وادى الملوك
- # مقابر وادي الملوك
- # مومياء رمسيس الثاني
- # خبيئة الدير البحري
- # DB320
- # الدير البحري
- # سيول وادي الملوك
- # نقوش مقبرة رمسيس الثاني
- # مقبرة الملك رمسيس الثاني
- # ملوك مصر القديمة
- # الأسرة التاسعة عشرة
- # الدولة الحديثة
- # بر رعمسيس
- # قنتير
- # الرامسيوم
- # كريستيان لوبلان
- # بعثة رمسيس الثاني
- # آثار الأقصر
- # السياحة في الأقصر
- # المومياوات الملكية
- # المتحف القومي للحضارة المصرية
- # تاريخ مصر القديم
- # الحضارة المصرية القديمة