رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تابوت متواضع يخفي حكاية مذهلة عن رحلة مومياء رمسيس الثاني

 رمسيس الثاني
رمسيس الثاني

 

 

لم تنته رحلة الملك رمسيس الثاني بوفاته ودفنه في وادي الملوك، بل بدأت بعدها واحدة من أكثر الرحلات إثارة في تاريخ المومياوات الملكية المصرية؛ رحلة امتدت لآلاف السنين، وانتقلت خلالها مومياء واحد من أشهر ملوك مصر القديمة بين المقابر الملكية، وخبيئة الدير البحري، ثم المتاحف، قبل أن تسافر في العصر الحديث إلى فرنسا لإجراء الفحوص والدراسات اللازمة.

وتكشف قصة التابوت الخشبي الذي ارتبط في إحدى مراحل تاريخه بمومياء رمسيس الثاني جانبًا مهمًا من هذه الرحلة، إذ لم يكن التابوت هو الذي دُفن فيه الملك في الأصل، وإنما كان تابوتًا ملكيًا أقدم أعيد استخدامه وتجهيزه في نهاية الدولة الحديثة.

تابوت متواضع يخفي وراءه حكاية ملك عظيم

May be an image of the Great Sphinx of Giza and text

قد يبدو التابوت الخشبي للوهلة الأولى بسيطًا مقارنة بما ارتبط بمقابر ملوك مصر القديمة من فخامة وزخارف، لكن قيمته التاريخية لا ترتبط بمظهره فقط، وإنما بما يحمله من معلومات عن مصير مومياء رمسيس الثاني ورحلات إعادة دفنها.

فالملك رمسيس الثاني، الذي حكم مصر لنحو 66 عامًا خلال الأسرة التاسعة عشرة، ترك وراءه إرثًا معماريًا وفنيًا ضخمًا، من أبرز معالمه معابد أبو سمبل والرامسيوم، إلى جانب عشرات الآثار والنقوش التي خلدت اسمه وإنجازاته.

ومع ذلك، لم يحتفظ جسده بعد وفاته بالاستقرار الذي قد يتوقعه المرء لملك بهذه المكانة.

التابوت لم يكن الأصلي

May be an image of the Great Sphinx of Giza

تشير المعلومات المرتبطة بالتابوت إلى أنه يعود في الأصل إلى فترة أقدم، وتحديدًا إلى أواخر الأسرة الثامنة عشرة، قبل أن تتم إعادة استخدامه في نهاية الدولة الحديثة وتجهيزه لاستقبال مومياء رمسيس الثاني.

وتزداد أهمية التابوت بسبب الكتابات الهيراطيقية الموجودة على خشبه، والتي ترتبط بمراحل من رحلة المومياء وعمليات إعادة دفنها.

وهكذا تحول التابوت من مجرد وعاء جنائزي إلى وثيقة أثرية تساعد في تتبع جانب من التاريخ المضطرب للمومياوات الملكية خلال نهاية الدولة الحديثة.

من مقبرة رمسيس الثاني إلى خبيئة الدير البحري

May be an image of the Great Sphinx of Giza and text

دُفن رمسيس الثاني في الأصل في مقبرته بوادي الملوك، حيث أُعد له مقبرته الملكية بما يتناسب مع مكانته كواحد من أعظم ملوك مصر القديمة.

لكن الظروف تغيرت مع تزايد عمليات نهب المقابر الملكية، الأمر الذي دفع الكهنة في فترات لاحقة إلى اتخاذ إجراءات لحماية المومياوات ونقلها من مقابرها الأصلية إلى أماكن أكثر أمانًا.

وكانت مومياء رمسيس الثاني واحدة من المومياوات التي مرت بهذه الرحلة.

فقد نُقلت من مقبرتها الأصلية، ثم ارتبطت بمقبرة والده الملك سيتي الأول، قبل أن تمر بمراحل أخرى من إعادة الدفن، وصولًا إلى خبيئة الدير البحري، حيث جُمعت مومياوات ملكية عديدة بهدف حمايتها من السرقة والاعتداء.

اكتشاف الخبيئة عام 1881

May be an image of the Great Sphinx of Giza

ظلت المومياوات الملكية مختبئة لقرون، حتى جاء الاكتشاف الكبير لخبيئة الدير البحري عام 1881، وهو الاكتشاف الذي أتاح للعالم التعرف على مجموعة استثنائية من مومياوات ملوك مصر القديمة.

وكان من بين هذه المومياوات جسد الملك رمسيس الثاني، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ المومياء بعد أن ظلت لقرون بعيدة عن أعين العالم.

لكن اكتشافها لم يكن نهاية الرحلة.

رمسيس الثاني يسافر إلى فرنسا

بعد أكثر من ثلاثة آلاف عام على وفاة الملك، وجدت مومياؤه نفسها في القرن العشرين على متن رحلة إلى فرنسا، حيث خضعت لفحوص ودراسات وترميمات متخصصة.

وتحولت الرحلة إلى واقعة لافتة في تاريخ المومياء، ليس فقط بسبب انتقال جسد ملك مصري قديم إلى أوروبا، ولكن أيضًا بسبب الإجراءات الرسمية التي رافقت سفره.

وتتداول المصادر قصة طريفة عن إصدار وثيقة سفر للمومياء خلال رحلتها إلى فرنسا، حيث ورد في خانة المهنة وصف «ملك متوفى»، في مفارقة تختصر المسافة الزمنية الهائلة بين مصر القديمة والعصر الحديث.

من الملك الذي خلد نفسه في الحجر إلى مومياء تسافر حول العالم

No photo description available.

تكشف قصة رمسيس الثاني عن مفارقة تاريخية لافتة؛ فالملك الذي أمضى سنوات حكمه في تشييد المعابد والنقوش والتماثيل التي تخلد اسمه، لم يستقر جسده في مكان واحد بعد الموت.

فمن مقبرته في وادي الملوك، بدأت رحلة طويلة بسبب محاولات حماية المومياوات الملكية، ثم انتقلت المومياء إلى خبيئة الدير البحري، قبل اكتشافها في القرن التاسع عشر، ودخولها مرحلة جديدة من الدراسة والحفظ، وصولًا إلى الرحلة الشهيرة إلى فرنسا.

التابوت شاهد على رحلة المومياء

ولا تقتصر أهمية التابوت الذي ارتبط بمومياء رمسيس الثاني على كونه قطعة أثرية فريدة، وإنما تكمن قيمته أيضًا في كونه شاهدًا على تاريخ إعادة دفن المومياء الملكية.

فالكتابات الموجودة على الخشب، إلى جانب الدراسات الأثرية المرتبطة به، تساعد في إعادة بناء جانب من المسار الذي قطعته مومياء الملك عبر فترات مختلفة من التاريخ المصري القديم.

وبذلك يصبح التابوت نفسه جزءًا من قصة أكبر، قصة ملك لم تتوقف رحلته عند حدود المقبرة أو حتى عند لحظة اكتشاف موميائه.

رمسيس الثاني.. رحلة تتجاوز ثلاثة آلاف عام

May be an image of the Great Sphinx of Giza

 

تمثل مومياء رمسيس الثاني نموذجًا استثنائيًا لقدرة الآثار المصرية على رواية قصص تتجاوز حدود الزمن.

ملك حكم مصر لنحو 66 عامًا، وخلد اسمه في المعابد والتماثيل والنقوش، ثم أصبح جسده بعد وفاته محور رحلة طويلة من إعادة الدفن والحماية والاكتشاف والدراسة.

واليوم، تواصل المومياء والآثار المرتبطة بها تقديم معلومات جديدة عن تاريخ مصر القديمة، بينما يظل التابوت شاهدًا صامتًا على واحدة من أكثر الرحلات غرابة في تاريخ المومياوات الملكية المصرية.

وهكذا، فإن حكاية رمسيس الثاني لم تنته بالموت، وإنما تحولت إلى رحلة عبر آلاف السنين، بدأت من وادي الملوك، ومرت بخبيئة الدير البحري، ووصلت إلى فرنسا، قبل أن تستمر المومياء وآثار الملك في أداء دورها داخل المؤسسات المتحفية المصرية، شاهدة على حضارة استطاعت أن تجعل من آثار ملوكها رسائل ممتدة من الماضي إلى الحاضر.

 

 

May be an image of text

 

تم نسخ الرابط