رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

العاملون بالمواقع الأثرية.. هل تتناسب طبيعة العمل مع الحوافز؟

عاملون بالاثار
عاملون بالاثار

 توجد منظومة من العاملين تبدأ من الأثري والمرمم ولا تنتهي عند أفراد الأمن والعمال والإداريين خلف كل موقع أثري مفتوح أمام الزائرين، وكل فئة تؤدي مهام مختلفة في ظروف قد تتباين بصورة كبيرة من موقع إلى آخر.

فبينما يعمل بعض الموظفين داخل مكاتب أو متاحف مكيفة، يؤدي آخرون مهامهم في مواقع مفتوحة تحت درجات حرارة مرتفعة، أو في مناطق نائية، أو داخل حفائر ومخازن ومواقع تحتاج إلى متابعة مستمرة، فضلًا عن مسؤوليات ترتبط بحيازة قطع أثرية أو حماية مواقع ذات قيمة تاريخية.

ومع استمرار العمل على تطوير منظومة الموارد البشرية بالمجلس الأعلى للآثار، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تعكس منظومة الحوافز والبدلات طبيعة هذه الأعمال واختلاف ظروفها؟

طبيعة العمل ليست واحدة داخل «الأعلى للآثار»

أحد أبرز التحديات في ملف المستحقات المالية هو تنوع الوظائف نفسها.

فالعامل في موقع أثري مفتوح يواجه ظروفًا تختلف عن زميله في المتحف، بينما تختلف طبيعة عمل المرمم عن الأثري، ويختلف عمل الحارس عن الموظف الإداري، كما أن العاملين في المناطق النائية يواجهون ظروفًا جغرافية وميدانية لا تتكرر بالضرورة في المواقع الواقعة داخل المدن.

ولهذا فإن تقييم منظومة الحوافز لا يمكن أن يعتمد فقط على قيمة الراتب الأساسي، وإنما يحتاج إلى النظر إلى الأجر الوظيفي، والأجر المكمل، والحوافز، والبدلات، وطبيعة الوظيفة، ومكان العمل، ونظام التعاقد.

وتشير تغطيات حديثة لملف لائحة الموارد البشرية إلى أن هذه العناصر تخضع لمراجعة في إطار إعداد الصيغة الجديدة للائحة، بالتنسيق مع الجهات المختصة.

ماذا حصل عليه العاملون بالفعل؟

خلال 2025 و2026، أعلنت وزارة السياحة والآثار عن مجموعة من الإجراءات التي استهدفت تحسين أوضاع العاملين بالمجلس الأعلى للآثار.

ووفق بيان رسمي للوزارة، تمت ترقية أكثر من 9 آلاف موظف بالمجلس، إلى جانب إقرار العلاوة التشجيعية وحافز 5% لأكثر من 5 آلاف عامل اعتبارًا من يوليو 2025، فضلًا عن زيادة حافز الإثابة لأصحاب العهد الأثرية ومسؤولي الأحراز وفق الشرائح المختلفة، وزيادة الأجور اليومية لعمال الحفائر، خاصة العاملين في المناطق النائية.

كما وافق مجلس إدارة المجلس الأعلى للآثار على زيادة قيمة المكافأة المرتبطة باستلام العهد الأثرية ومسؤولي الأحراز المودعة على ذمة القضايا، إلى جانب تعديل الأجر اليومي لعمال الحفائر وغيرهم ممن يتم الاستعانة بهم في أعمال البعثات الأثرية بمختلف المواقع.

وهذه الإجراءات تكشف أن طبيعة العمل نفسها أصبحت أحد العناصر المطروحة عند مناقشة المستحقات المالية.

المناطق النائية.. اختبار مختلف للحوافز

تُعد المناطق النائية واحدة من أكثر النقاط التي تبرز فيها الفوارق بين طبيعة الأعمال الأثرية.

فبعض المواقع تقع بعيدًا عن المدن والمراكز السكانية، وهو ما يعني وقتًا أطول للوصول، وظروفًا مناخية وميدانية مختلفة، وأحيانًا صعوبة أكبر في توفير الخدمات الأساسية للعاملين.

ولهذا ظهرت خلال الفترة الأخيرة مستحقات مرتبطة تحديدًا بعمال الحفائر والمناطق النائية، بينما يتضمن النقاش الجاري حول مشروع لائحة الموارد البشرية بدلات مرتبطة بطبيعة العمل والمخاطر والمناطق النائية.

لكن التحدي الإداري هنا يتمثل في وضع قواعد واضحة تحدد الفئات المستحقة وقيمة كل بدل وشروط صرفه، بحيث ترتبط الميزة المالية بالظروف الفعلية للعمل.

أصحاب العهد الأثرية.. مسؤولية لا تشبه الوظائف التقليدية

هناك فئة أخرى تحمل مسؤولية خاصة، وهي العاملون الذين تقع تحت عهدتهم قطع أثرية أو مسؤولون عن أحراز مرتبطة بقضايا.

هذه المسؤولية لا تتوقف عند أداء ساعات العمل، وإنما ترتبط بالحفاظ على مقتنيات أثرية لا يمكن تعويض قيمتها التاريخية في حالة الفقد أو التلف.

ولهذا أعلنت الوزارة عن زيادة حافز الإثابة لأصحاب العهد الأثرية ومسؤولي الأحراز وفق شرائح مختلفة، كما وافق مجلس إدارة المجلس على زيادة المكافأة الخاصة بهذه الفئات.

وهنا يظهر مبدأ مهم في منظومة الأجور: كلما ارتفعت المسؤولية، يصبح من الضروري أن تعكس المستحقات طبيعة هذه المسؤولية.

المرمم والأثري والحارس.. هل يمكن وضعهم في خانة واحدة؟

من أكثر الأسئلة التي يطرحها تنوع العمل داخل المواقع الأثرية: هل يمكن تطبيق حافز واحد على جميع العاملين، رغم اختلاف طبيعة المهام؟

فالأثري قد يعمل في الحفائر أو التوثيق أو متابعة أعمال البعثات، بينما يتعامل المرمم مع قطع أو عناصر معمارية تحتاج إلى مهارة متخصصة، في حين تقع على عاتق أفراد الأمن مسؤولية حماية الموقع ومقتنياته، ويؤدي العمال مهام ميدانية تختلف بحسب طبيعة الموقع والمشروع.

وبالتالي، فإن العدالة في توزيع الحوافز لا تعني بالضرورة حصول الجميع على القيمة نفسها، وإنما يمكن أن تعني وجود قواعد واضحة تربط الاستحقاق بطبيعة الوظيفة والمسؤولية ومكان العمل والأداء.

وهذا أحد الملفات التي تظهر في النقاش حول لائحة الموارد البشرية الجديدة، التي تتضمن مقترحات لربط بعض الحوافز بطبيعة العمل ومستوى الأداء.

مشروع اللائحة.. هل يعيد ترتيب المعادلة؟

التحرك الأبرز حاليًا هو العمل على تحديث لائحة الموارد البشرية بالمجلس الأعلى للآثار.

وفي يوليو 2026، أوضحت وزارة السياحة والآثار أن لجانًا تعمل على مراجعة جداول الأجور ولائحة الموارد البشرية، وأن مسودة اللائحة أُرسلت إلى ممثلي الإدارات لإبداء الملاحظات، تمهيدًا لاستكمال الإجراءات القانونية وعرضها على الجهات المختصة.

وهذا يعني أن الحديث عن الحوافز لا ينفصل عن عملية أوسع تستهدف إعادة تنظيم منظومة الأجور والمزايا الوظيفية.

كما أن القواعد الخاصة بالمزايا المالية ترتبط بالاعتمادات المتاحة والموازنة والجهات صاحبة الاختصاص، وهو ما يجعل الانتقال من المقترحات إلى التطبيق الفعلي مرتبطًا باستكمال الإجراءات القانونية والمالية.

الحافز وحده لا يكفي

حتى مع تطوير الحوافز، تظل بيئة العمل عنصرًا أساسيًا في تقييم أوضاع العاملين.

فالعامل في موقع أثري بعيد يحتاج إلى وسائل انتقال مناسبة، والعامل في موقع مفتوح يحتاج إلى حماية من الظروف المناخية، والعامل الذي يتعامل مع قطع أثرية يحتاج إلى أدوات وتجهيزات تحميه وتحمي القطعة، بينما تحتاج المواقع التي تستقبل أعدادًا كبيرة من الزائرين إلى توزيع مناسب للورديات والقوى البشرية.

وبالتالي فإن تحسين ظروف العمل لا يرتبط فقط بزيادة رقم مالي، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل الأجر والحافز والتجهيزات والتدريب والحماية المهنية وتنظيم ساعات العمل.

السؤال الأصعب.. كيف نحقق العدالة؟

لا توجد إجابة واحدة على سؤال تناسب الحوافز مع طبيعة العمل، لأن «العاملين بالآثار» ليسوا فئة وظيفية واحدة.

لكن يمكن قياس مدى عدالة المنظومة من خلال مجموعة من الأسئلة: هل يحصل العامل في الموقع النائي على مقابل يعكس ظروف موقعه؟ هل تتناسب مسؤولية حيازة القطع الأثرية مع الحافز المخصص لها؟ هل تختلف المزايا عندما تختلف المخاطر؟ وهل توجد قواعد موحدة وواضحة تمنع الفوارق غير المبررة بين العاملين في وظائف متقاربة؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد عمليًا مدى قدرة اللائحة الجديدة على تحقيق التوازن بين حقوق العاملين والموارد المتاحة للمجلس واحتياجات حماية التراث.

العامل الذي يحمي التراث جزء من معادلة السياحة

في النهاية، لا يمكن فصل ملف العاملين عن ملف المواقع الأثرية نفسها.

فجودة التجربة التي يحصل عليها السائح تبدأ من موقع آمن ونظيف ومنظم، لكنها تعتمد كذلك على الموظف الذي يحافظ على الأثر، والمرمم الذي يتعامل مع تفاصيله، والأثري الذي يتابع تاريخه، والحارس الذي يؤمنه، والعامل الذي يساعد في استمرار تشغيله.

ولهذا فإن تطوير الحوافز لا يتعلق فقط بتحسين دخل الموظف، وإنما يرتبط بصورة غير مباشرة بقدرة المنظومة على الحفاظ على الآثار وتحسين الخدمة ورفع كفاءة المواقع السياحية.

ويبقى ملف لائحة الموارد البشرية والأجور أحد الملفات التي ستحدد خلال المرحلة المقبلة كيفية ترجمة اختلاف طبيعة العمل داخل المجلس الأعلى للآثار إلى قواعد أكثر وضوحًا في الحوافز والبدلات والمزايا المالية.

تم نسخ الرابط