رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

10 سنوات من إصلاح السياحة.. مشكلات اختفت وأخرى غيرت شكلها

مشاريع سياحية
مشاريع سياحية

خلال عقد كامل، تغيرت خريطة السياحة المصرية بصورة واضحة. فالمشكلات التي كانت تفرض نفسها على القطاع قبل عشر سنوات لم تعد جميعها حاضرة بالشكل ذاته؛ بعضها تراجع مع تطور التشريعات والرقمنة والبنية الأساسية، بينما تغيرت طبيعة بعضها الآخر، وظهرت في المقابل تحديات جديدة فرضها اتساع الحركة السياحية وتزايد الاستثمارات وتغير احتياجات السائح والمستثمر.

وبعد سنوات من الإصلاحات، لم يعد السؤال فقط: ماذا أنجزت الدولة؟، وإنما أصبح أكثر ارتباطًا بتفاصيل الواقع: ما الملفات التي جرى حلها بالفعل؟ وما المشكلات التي حصلت على حلول جزئية؟ وأين لا تزال الفجوة قائمة بين النصوص والتطبيق؟

من أزمة الإجراءات إلى معركة ما بعد الترخيص

تشير قراءة واقع القطاع خلال السنوات الأخيرة إلى أن ملف التراخيص والتصنيف شهد تطورًا تشريعيًا وإداريًا، بالتوازي مع التوسع في الخدمات الإلكترونية ومحاولات تبسيط الإجراءات.

ويرى هشام وهبة، أمين صندوق غرفة المنشآت السياحية الأسبق، أن هذا التطور يمثل أحد أبرز التحولات التي شهدها القطاع، إلا أنه لا يعني انتهاء جميع العقبات أمام المستثمرين.

فالمشكلة، وفق رؤيته، لم تعد مرتبطة بالحصول على الترخيص فقط، وإنما بما يأتي بعده من إجراءات وتكاليف والتزامات تؤثر بصورة مباشرة على قدرة المشروع على الاستمرار وتحقيق العائد المتوقع.

وهنا يظهر أحد أهم التحولات في خريطة مشكلات السياحة المصرية: الانتقال من معركة تأسيس المشروع إلى معركة تشغيله بكفاءة.

قانون جديد.. وأسئلة قديمة

يأتي قانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022 ضمن أبرز التطورات التشريعية التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، إذ وضع إطارًا قانونيًا موحدًا لعدد واسع من الأنشطة السياحية.

ويشمل الإطار أنشطة متنوعة، من المنشآت الفندقية والمطاعم والمنشآت السياحية إلى النقل السياحي ومحال بيع العاديات ومراكز الغوص والأنشطة البحرية.

ويمثل توحيد الإطار القانوني خطوة مهمة في تنظيم القطاع، لكن التحدي الأساسي يظل في كيفية ترجمة النصوص إلى إجراءات عملية واضحة وسريعة أمام المستثمر.

فوجود قانون ينظم النشاط لا يعني بالضرورة أن رحلة المستثمر أصبحت قصيرة، خاصة عندما تتوزع الموافقات بين أكثر من جهة.

تعدد الجهات.. المشكلة التي لم تختفِ

رغم محاولات تقليل الخطوات وتطوير الخدمات الإلكترونية، لا يزال تعدد الجهات أحد الملفات التي يراها العاملون في القطاع بحاجة إلى مزيد من التطوير.

وبحسب هشام وهبة، قد يجد المستثمر في بعض الأنشطة نفسه أمام أكثر من جهة، بما يؤدي إلى تكرار الإجراءات وانتظار موافقات متتالية.

ومن هنا تبرز فكرة الشباك الواحد الحقيقي، الذي لا يقتصر على تقديم خدمة إلكترونية أو تقليل عدد الخطوات، وإنما يعني وجود ملف واحد ومتطلبات معلنة منذ البداية وجهة واضحة للمتابعة وجدول زمني محدد لإنهاء الإجراءات.

وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، التي قد يكون لأي تأخير في الموافقات تأثير مباشر على تكلفة المشروع وتدفقاته المالية.

عندما تصبح تكلفة التشغيل هي التحدي الأكبر

إذا كان الحصول على التراخيص يمثل مرحلة أساسية أمام المستثمر، فإن تشغيل المنشأة يفتح بابًا آخر من التحديات.

فبحسب رؤية العاملين في القطاع، تواجه المنشآت ارتفاعًا في تكلفة عدد من عناصر التشغيل، بينها الغذاء والطاقة والأجور والإيجارات والصيانة والنقل، إلى جانب الرسوم وتكاليف الالتزام بالاشتراطات المختلفة.

وهذا يعني أن دراسة الجدوى لم تعد تستطيع الاكتفاء بحساب تكلفة إنشاء المشروع، وإنما تحتاج إلى تقدير أكثر دقة لتكلفة التشغيل المستمرة.

فالمشروع السياحي قد ينجح في تجاوز مرحلة الإنشاء والحصول على التراخيص، لكنه يظل بحاجة إلى نموذج تشغيلي قادر على تحمل التكاليف المتغيرة والحفاظ في الوقت نفسه على مستوى الخدمة.

الرقمنة.. ماذا حلت وماذا لم تحل؟

شهد قطاع السياحة توسعًا في استخدام الخدمات الإلكترونية، وهو ما ساهم في نقل جزء من التعاملات من النمط الورقي إلى المسارات الرقمية.

لكن الرقمنة وحدها لا تنهي بالضرورة مشكلة تعدد الجهات إذا كانت كل جهة تعمل وفق منظومة منفصلة، كما أنها لا تحل مشكلة ظهور متطلبات جديدة أثناء مراحل التنفيذ.

ومن هنا، فإن التحدي في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط برقمنة الخدمة، وإنما بربط الإجراءات والجهات داخل منظومة واحدة، بحيث يشعر المستثمر بأن التحول الرقمي اختصر فعلًا الوقت والجهد والتكلفة.

المشروعات الصغيرة أمام اختبار أصعب

وتبدو المشروعات الصغيرة والمتوسطة أكثر حساسية تجاه الإجراءات والتكاليف، مقارنة بالمشروعات الكبيرة التي تمتلك عادة قدرات مالية وإدارية أكبر للتعامل مع طول الإجراءات أو تغير تكاليف التشغيل.

ولهذا تبرز الحاجة إلى إجراءات أكثر تناسبًا مع طبيعة وحجم النشاط، دون الإخلال بمعايير السلامة أو جودة الخدمة أو حقوق العامل والمستهلك.

ويشمل ذلك، بحسب الرؤية المطروحة، إجراءات أبسط، وتمويلًا ميسرًا، وفترات انتقالية عند تطبيق بعض المتطلبات، إلى جانب برامج تدريب ودعم للتحول الرقمي.

التبسيط لا يعني تخفيف المعايير

أحد أهم الملفات التي تفرض نفسها عند الحديث عن تطوير بيئة الاستثمار السياحي هو العلاقة بين تبسيط الإجراءات والحفاظ على جودة المنتج.

فالتيسير لا يعني إلغاء الاشتراطات المتعلقة بسلامة الغذاء أو جودة الخدمة أو حماية المستهلك والعامل، وإنما يعني أن تكون هذه الاشتراطات واضحة ومعلنة ومتناسبة مع طبيعة النشاط.

وبهذه المعادلة يمكن الانتقال من مفهوم «تقليل الإجراءات» إلى مفهوم أكثر شمولًا هو رفع كفاءة الإجراءات؛ أي أن يحصل المستثمر على المتطلبات الصحيحة من البداية، وأن يعرف الجهة المسؤولة والمدة المتوقعة، دون دورات إضافية أو متطلبات تظهر بصورة مفاجئة.

خريطة المشكلات تغيرت

وبالنظر إلى السنوات العشر الماضية، يمكن القول إن قطاع السياحة لم يعد يواجه بالضرورة المشكلات نفسها التي كانت مطروحة في 2016.

فالتشريعات تطورت، والخدمات الإلكترونية توسعت، والبنية الأساسية شهدت استثمارات، بينما أصبح القطاع أمام حجم أكبر من الحركة والاستثمارات وتنوع أكبر في المنتجات والأنشطة.

لكن النمو نفسه خلق احتياجات جديدة.

فكلما توسع القطاع، أصبح مطلوبًا أن تكون المنظومة التنظيمية أسرع وأكثر ترابطًا، وأن تتطور خدمات النقل والأنشطة البحرية والبازارات والمنشآت الصغيرة، إلى جانب توفير العمالة المدربة والحفاظ على جودة الخدمة.

السؤال الأصعب: ماذا بعد؟

التحدي أمام السياحة المصرية خلال المرحلة المقبلة لا يبدو مرتبطًا فقط بإصدار تشريعات جديدة، وإنما بقدرة المنظومة على إغلاق الفجوة بين القانون والتطبيق.

المستثمر يريد أن يعرف متطلبات مشروعه منذ البداية، والمدة التي يحتاجها للحصول على الموافقات، والتكلفة التي سيتحملها خلال التشغيل، بينما تحتاج الدولة في المقابل إلى ضمان جودة المنتج السياحي وحماية المستهلك والحفاظ على معايير السلامة.

وبين الطرفين، تظل الحاجة قائمة إلى منظومة أكثر وضوحًا وتكاملًا، خاصة مع استمرار نمو القطاع وتنوع أنشطته.

وبعد عشر سنوات من التغيرات، تبدو خريطة السياحة المصرية مختلفة بالفعل؛ بعض المشكلات تراجع، وبعضها انتقل إلى مرحلة جديدة، بينما ظهرت ملفات لم تكن بالحدة نفسها قبل عقد.

وهكذا لم يعد الإصلاح مجرد سؤال عن إزالة العقبات، بل عن قدرة المنظومة على مواكبة قطاع سياحي يتوسع ويتغير بسرعة، بحيث تصبح الإجراءات جزءًا من قوة المنتج السياحي، لا عائقًا أمام نموه.

تم نسخ الرابط