رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«قهوة خبيني».. حكاية وكالة مونفيراتو التي تخفي أسرار تجارة الإسكندرية

Go Egypia

«قهوة مستخبية» داخل وكالة مونفيراتو.. حكاية المبنى الذي حفظ أسرار تجارة الإسكندرية

في قلب الإسكندرية، وبالقرب من منطقة المنشية والكنيسة المارونية، يوجد مكان قد يمر أمامه كثيرون دون أن يعرفوا أن وراء أبوابه واحدة من أكثر حكايات المدينة إثارة.

إنها قهوة علي الهندي، المعروفة بين أبناء الإسكندرية باسم «قهوة خبيني»؛ ليس لأنها تختبئ فعلًا، وإنما لأنها تقع داخل مبنى تاريخي غريب التصميم، يكاد يخفي نفسه عن المارة رغم أنه كان يومًا من أهم المراكز التجارية في المدينة.

المبنى هو وكالة مونفيراتو، إحدى أبرز الوكالات التجارية التاريخية في الإسكندرية، والتي شُيدت عام 1887 وفق تصميم المعماري الإيطالي لويجي بياتولي (Luigi Piattoli)، وتحمل ملامح معمارية استلهمت فكرة الجاليريات التجارية الأوروبية، وبخاصة نموذج جاليريا فيتوريو إيمانويل الثاني في ميلانو.

واليوم، وبينما يجلس رواد القهوة في الداخل، يمكنهم النظر إلى السماء من قلب المبنى، ومشاهدة أسراب الحمام وهي تعبر فوقهم في وقت العصر، في مشهد يبدو عاديًا بالنسبة لأهل المكان، لكنه يحمل في خلفيته تاريخًا تجاريًا وثقافيًا عمره أكثر من قرن.

لكن من هو «مونفيراتو»؟

مقهى   هندى   شاهد على تاريخ الإسكندرية

السؤال الأهم ربما ليس: أين تقع وكالة مونفيراتو؟

بل: من هو مونفيراتو الذي حمل المبنى اسمه؟

وهنا تبدأ الحكاية الأكثر غموضًا.

فـ«مونفيراتو» لم يكن بالضرورة اسم شخص واحد كما قد يتخيل البعض، وإنما ارتبط الاسم بعائلة أو جماعة تجارية كان لها حضور في الإسكندرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وتشير الرواية المتداولة إلى أن العائلة استقرت في الإسكندرية في حدود سبعينيات القرن التاسع عشر، وانخرطت في النشاط التجاري، قبل أن ترتبط باسم الوكالة التي أصبحت واحدة من أبرز المنشآت التجارية في منطقة المنشية.

وتكشف الأدبيات المعمارية عن أن وكالة مونفيراتو كانت من أكبر المباني التجارية التي بقيت في الإسكندرية، وأن تصميمها قام على فكرة «الأوكالة» الأوروبية؛ حيث توجد الأنشطة التجارية في الطابق الأرضي، بينما تضم الطوابق الأعلى وحدات سكنية، وتتوسط المبنى مساحة داخلية مفتوحة تمثل قلب النشاط.

لماذا تبدو الوكالة كأنها «جاليريا» أوروبية؟

عند النظر إلى تخطيط وكالة مونفيراتو، يمكن فهم سبب غرابة المبنى بالنسبة لمن يراه للمرة الأولى.

فالفكرة لم تكن مجرد مبنى تجاري تقليدي، وإنما مساحة تجمع المحلات والمخازن والحركة التجارية حول فراغ داخلي، وهي فكرة قريبة من نمط الجاليريا الذي اشتهرت به المدن الأوروبية.

وتشير الدراسات المعمارية المتخصصة إلى أن وكالة مونفيراتو صممها لويجي بياتولي عام 1887، ضمن مجموعة من الوكالات الإسكندرانية التي استلهمت مفهوم الجاليريا الميلانية. كما توثق المصادر المعمارية أن الوكالة كانت تضم أنشطة تجارية في الطابق الأرضي ووحدات سكنية في الطوابق العليا ومساحات داخلية مفتوحة.

ولهذا تبدو الوكالة اليوم كأنها قطعة أوروبية زرعت في قلب الإسكندرية؛ مبنى تجاري له ممراته ومساحاته الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يحمل روح المدينة المتوسطية التي عاشت طويلًا على حركة التجار والبضائع والجاليات الأجنبية.

لويجي بياتولي.. الرجل الذي ترك بصمته في الإسكندرية

May be an image of text

وراء هذا التصميم يقف المعماري والفنان الإيطالي لويجي بياتولي، الذي ارتبط اسمه بعدد من الأعمال المعمارية في الإسكندرية.

وتنسب إليه المصادر المتخصصة تصميم وكالة مونفيراتو عام 1887، بينما تشير بعض المصادر الصحفية المصرية إلى ارتباطه بالمشهد المعماري السكندري في تلك الفترة وتأثر تصميم الوكالة بالنماذج الإيطالية.

واللافت أن بياتولي لم يضع مبنى منعزلًا عن المدينة، بل صمم مبنى يتفاعل مع طبيعة الإسكندرية التجارية؛ مكان تدخل إليه البضائع، وتخرج منه البضائع، ويجتمع فيه التجار، وتتحرك داخله التجارة بين المخزن والدكان والسكن.

وكالة لم تكن مجرد مبنى

قبل أن تصبح الوكالة خلفية لقهوة شعبية، كانت واحدة من حلقات الاقتصاد السكندري.

الإسكندرية في تلك الفترة لم تكن مجرد مدينة ساحلية، وإنما ميناء عالمي تتقاطع فيه خطوط التجارة القادمة من أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكتين.

وفي هذا السياق، ارتبط نشاط مونفيراتو بالتجارة في مجموعة واسعة من السلع، من البن والتوابل والأرز والكاكاو والشيكولاتة ومنتجات الألبان وغيرها من السلع المستوردة.

وهنا تصبح المراسلات التجارية القديمة أكثر أهمية من مجرد كونها أوراقًا صفراء؛ لأنها تكشف طبيعة الحياة الاقتصادية التي كانت تدور داخل هذه الوكالة.

رسالة من كادبوري تكشف جانبًا من الحكاية

May be an image of ticket stub and text

من بين الوثائق التي ظهرت في سياق البحث عن تاريخ العائلة والوكالة، تبرز مراسلة تعود إلى عام 1919 من وكلاء شركة Cadbury في مصر إلى مونفيراتو.

المراسلة تتعلق بوصول شحنة من الكاكاو، مع طلب تأكيد الكمية المطلوبة من منتجات الشيكولاتة.

وهذه الورقة الصغيرة تفتح نافذة كبيرة على عالم التجارة في الإسكندرية آنذاك؛ فاسم مونفيراتو لم يكن مجرد اسم على واجهة مبنى، وإنما كان حاضرًا في شبكة تجارية دولية تمتد من موردي المواد الخام إلى الوكلاء والمستوردين والتجار المحليين.

والأكثر إثارة أن هذه المراسلة جاءت في عام 1919، العام الذي كانت فيه مصر تعيش واحدة من أكثر لحظاتها السياسية اضطرابًا مع اندلاع ثورة 1919؛ ومع ذلك تستمر الأوراق التجارية في تسجيل حركة الشحنات والطلبات والأسواق، وكأن الاقتصاد يحاول الاستمرار وسط عاصفة سياسية كبرى.

إيطاليون؟ يونانيون؟ أم حكاية أكثر تعقيدًا؟

هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط إثارة في قصة مونفيراتو.

فالاسم يبدو إيطاليًا للوهلة الأولى، ولذلك تتكرر في بعض الكتابات الإشارة إلى العائلة باعتبارها إيطالية.

لكن تاريخ الإسكندرية لا يسمح دائمًا بمثل هذه الإجابات السريعة.

فالمدينة في القرن التاسع عشر كانت مدينة متعددة الجنسيات واللغات، وكان التجار ينتقلون بين الموانئ والمجتمعات التجارية، ويتعاملون بالفرنسية والإنجليزية واليونانية والإيطالية وغيرها.

والوثائق التي عُثر عليها ضمن هذا المسار البحثي تفتح احتمالًا يستحق الدراسة؛ إذ تظهر مراسلات بالإنجليزية والفرنسية واليونانية، كما يظهر في ترويسة إحدى الرسائل اسم «بنايي مونفيراتو»، وهو اسم يبدو يونانيًا، إلى جانب وجود مراسلات باللغة اليونانية بخط أحد أفراد العائلة.

لكن هذه الوثائق، مهما كانت مثيرة، لا تكفي وحدها للحسم النهائي في أصل العائلة القومي؛ بل تجعل السؤال أكثر أهمية: هل كان مونفيراتو إيطاليًا بالفعل، أم أن الإسكندرية الكوزموبوليتانية صنعت عائلة متعددة اللغات والهويات؟

وهذا تحديدًا يحتاج إلى العودة إلى سجلات القنصليات، ودفاتر التجارة، والدلائل العامة، وسجلات الميناء، ووثائق الملكية، وربما سجلات الكنائس والطوائف المختلفة.

من البن البرازيلي إلى الشيكولاتة

تخيل أن تدخل الوكالة في نهايات القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين.

ربما كانت رائحة البن القادم من البرازيل تختلط برائحة التوابل والأرز الهندي، بينما تتحرك صناديق الكاكاو والشيكولاتة ومنتجات الألبان داخل مساحة تجارية لا تهدأ.

فهذا المبنى كان جزءًا من منظومة جعلت الإسكندرية نقطة التقاء بين المنتجين في الخارج والتجار والمستهلكين في مصر.

وكانت الوكالات التجارية أشبه بعقد صغيرة داخل شبكة عالمية ضخمة؛ البضاعة تصل إلى الميناء، ثم تنتقل إلى التجار والوكلاء، ومنهم إلى الأسواق المصرية.

ولهذا فإن تاريخ وكالة مونفيراتو لا يمكن قراءته باعتباره تاريخ مبنى فقط، بل باعتباره جزءًا من تاريخ التجارة العالمية في الإسكندرية.

وقهوة علي الهندي.. آخر طبقات الحكاية

May be an image of text

ثم جاءت طبقة أخرى من التاريخ.

القهوة الموجودة داخل الوكالة، والمعروفة باسم قهوة علي الهندي، تحولت مع الزمن إلى جزء من هوية المكان نفسه.

وهنا تتغير وظيفة المبنى مرة أخرى؛ من وكالة تجارية تستقبل البضائع والتجار إلى مساحة يجلس فيها الناس، يشربون القهوة، ويتبادلون الأحاديث، بينما تستمر العمارة القديمة في أداء دورها بصمت.

وتوثق صور منشورة لوكالة مونفيراتو وجود قهوة علي الهندي داخل المبنى، كما تظهر صور للواجهة والمساحات الداخلية للوكالة ضمن أرشيف الصور التاريخية للمبنى.

والجميل أن القهوة لم تحتل المكان بالكامل، بل تركت للعمارة فرصة أن تتحدث؛ فالجالس في الداخل يستطيع أن يرى السماء فوقه، في مشهد يجعل المكان أقرب إلى فناء داخلي مفتوح منه إلى مقهى تقليدي.

مبنى يختصر قصة الإسكندرية

ربما لهذا السبب تبدو وكالة مونفيراتو مختلفة عن غيرها.

ففي مكان واحد يمكن أن ترى العمارة الإيطالية، والتجارة الدولية، والجاليات الأجنبية، والميناء، والسلع القادمة من الهند والبرازيل، والمراسلات باليونانية والفرنسية والإنجليزية، ثم قهوة شعبية يجلس فيها الناس تحت سماء الإسكندرية.

هذه ليست مجرد تفاصيل متفرقة، وإنما صورة مصغرة لمدينة كانت تعيش على التعدد والاتصال بالعالم.

مدينة كان التاجر فيها قد يتعامل مع أوروبا صباحًا، ومع الهند ظهرًا، ومع أمريكا الجنوبية في المساء، بينما تُكتب الأوراق بأكثر من لغة، وتتحرك البضائع عبر البحر، وتبقى المباني شاهدة على كل ذلك.

«قهوة خبيني».. عندما تختبئ الحكاية في مكان غير متوقع

No photo description available.

وربما تكون أجمل مفارقة في قصة وكالة مونفيراتو أن أحد أبوابها اليوم يقود إلى قهوة تبدو بسيطة ومستخبية عن الشارع، بينما يحمل المبنى نفسه قصة مدينة كاملة.

يجلس الزائر أمام فنجان القهوة، ينظر إلى الحمام وهو يعبر السماء، وقد لا يعرف أن المكان الذي يجلس فيه كان يومًا جزءًا من شبكة تجارية عالمية، وأن اسم العائلة التي بنت الوكالة ما زال محفورًا في ذاكرة المنشية، وأن رسائل قديمة كانت تصل إلى أصحابها لتخبرهم بوصول الكاكاو وتطلب منهم تحديد كمية الشيكولاتة التي يريدون استيرادها.

وهنا تصبح قهوة علي الهندي أكثر من مجرد مقهى قديم؛ إنها نقطة صغيرة داخل مبنى كبير، تختبئ فيها طبقات من تاريخ الإسكندرية: مدينة التجار، ومدينة الجاليات، ومدينة البحر، ومدينة العمارة التي جاءت من أوروبا ثم أعادت الإسكندرية تشكيلها على طريقتها.

وفي النهاية، قد يكون سر «قهوة خبيني» الحقيقي أنها لم تختبئ من الناس فقط، وإنما اختبأت معها حكاية وكالة مونفيراتو نفسها؛ حكاية عائلة لا يزال أصلها يحتاج إلى مزيد من البحث، ومبنى صممه بياتولي على طراز مستلهم من الجاليريات الأوروبية، وتجارة كانت تربط الإسكندرية بالهند والبرازيل وأوروبا، ورسائل قديمة تكشف أن الشيكولاتة والكاكاو كانا جزءًا من عالم تجاري واسع تدور عجلاته من قلب المنشية. وبينما تغيرت المدينة وتغيرت وظائف المبنى، بقيت الوكالة واقفة، وبقيت القهوة في الداخل، وبقيت السماء مفتوحة فوق رؤوس الجالسين، لتذكر كل من يدخلها بأن بعض أهم فصول تاريخ الإسكندرية لا توجد في المتاحف فقط، وإنما قد تكون فوق فنجان قهوة، داخل مبنى «مستخبي» في قلب المدينة.

تم نسخ الرابط