رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أبراج تعانق السماء فوق حقول الموت، ملامح العلمين تتبدل بعد 84 عاما من الرعب

حرب العلمين في مصر
حرب العلمين في مصر

بين عشية وضحاها، تحولت صحراء العلمين الهادئة قبل عقود إلى مسرح لواحد من أعنف الصراعات في التاريخ الحديث. 

في مثل هذا اليوم، استيقظت الأرض المصرية على دوي مدافع مرعب سطر بداية معركة العلمين الأولى، لم تكن هذه الحرب حرب المصريين، ولم يكن لهم فيها ناقة ولا جمل، لكن الجغرافيا والتاريخ فرضا على الوطن أن يدفع الثمن الأغلى من سيادته، واقتصاده، وأرواح أبنائه الأبرياء، لتظل تلك الصحراء شاهدة على مأساة تحولت اليوم إلى ملحمة عمرانية تبهر العالم.

الزحف نحو الحدود المصرية

تشير التقارير التاريخية العالمية إلى أن الشرارة الأولى للأزمة انطلقت في يونيو من عام 1942. 

نجحت القوات البريطانية في البداية بدفع القائد الألماني الشهير إرفين رومل إلى اتخاذ موقف دفاعي داخل الأراضي الليبية، لكن ثعلب الصحراء استطاع صد الهجمات الجوية ببراعة، وكبد البريطانيين خسائر فادحة، الأمر الذي أجبرهم على التراجع والانسحاب والتحصن داخل العمق المصري وتحديدا في منطقة العلمين.

المعركة الأولى.. صراع العمالقة في يوليو

بموجب معاهدة عام 1936 وتحت وطأة الاحتلال، فتحت الأرض المصرية رغما عنها لتكون معسكرا حربيا ضخما ومفتوحا، شهدت العلمين معارك شرسة غيرت مجرى الحرب العالمية الثانية. 

وفي الأول من يوليو، شنت قوات المحور هجوما فجريا مكثفا، حيث واجهت الفرقة 21 بانزر المدرعة الألمانية مقاومة عنيفة في منطقة دير الشين جنوب العلمين، وتأخر تقدمها بسبب حقول الألغام الشاسعة، قبل أن تسيطر على الجزء الأكبر من المنطقة في اليوم ذاته.

في المقابل، واجهت الفرقة الألمانية 90 الخفيفة قصفا بريطانيا مركزا عجزت مدفعيتها عن صده، مما دفعها لطلب الدعم دون جدوى. 

وبحلول الثالث من يوليو، شل الطيران البريطاني حركة القوات الألمانية، وتعرضت فرقة أريتي الإيطالية لهجوم نيوزيلندي ساحق أدى إلى تراجعها.

وأمام نقص الإمدادات وحرارة الصحراء القاتلة، اضطر رومل لوقف الهجوم، لينتهي المشهد بانسحاب قوات المحور وانتصار الحلفاء.

معاناة الشعب المصري.. دفع الفاتورة رغما عنه

في الوقت الذي كان فيه القادة الأجانب يخططون للمعارك، كان المواطن المصري يعيش وسط خط النار. ورغم عدم مشاركة الجيش المصري في العمليات القتالية المباشرة، إلا أن بريطانيا استنزفت طاقات الشعب، حيث سيق آلاف الفلاحين والعمال قسرا لحفر الخنادق ومد خطوط السكك الحديدية تحت القصف. 

وصادرت القوات البريطانية المحاصيل والمواشي لتموين جنودها، مما تسبب في موجة غلاء طاحنة ونقص في السلع، ودفعت آلاف الأسر للهجرة من مطروح والإسكندرية نحو محافظات الدلتا والصعيد.

حدائق الشيطان.. التركة الملعونة

رحلت الجيوش الأجنبية بعد أن وضعت الحرب أوزارها وتغنى العالم بنصر الحلفاء، لكنهم تركوا وراءهم تركة ملعونة تحت الرمال، زرع الألمان والحلفاء ملايين الألغام الأرضية في مساحات شاسعة أطلق عليها رومل اسم حدائق الشيطان. 

وظلت هذه الألغام على مدار عقود تحصد أرواح البدو والفلاحين، وتشل أي محاولة للتنمية والاستثمار في الساحل الشمالي، لتبقى العلمين رمزا لضريبة حرب فرضت على شعب مسالم.

العلمين في ثوبها الجديد.. معركة البناء والتنمية

اليوم، وبعد مرور أكثر من ثمانين عاما، خلعت العلمين ثوب الحداد والرماد. في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، خاضت الدولة المصرية معركة كبرى لتطهير الأرض وتحويل حدائق الشيطان إلى مدينة العلمين الجديدة، إحدى أبرز مدن الجيل الرابع الذكية.

تحولت حقول الموت إلى أبراج شاطئية وناطحات سحاب عملاقة تضاهي كبرى المدن العالمية، وجذبت الشركات والاستثمارات الدولية، وضمت ممشى سياحيا عالميا وجامعات أهلية دولية. 

وفي ذكرى المعركة، تقف العلمين اليوم كرسالة صمود، تعلن للعالم أن الأرض التي شهدت يوما مأساة الدمار، تصنع الآن مستقبلا مشرقا بأياد مصرية.

تم نسخ الرابط