قرية أنفاق تحت الأرض اختبأ فيها 400 شخص لـ 6 سنوات.. ما القصة؟
على أطراف قرية "فينه موك" (Vịnh Mốc) الهادئة وسط فيتنام، تتمايل أشجار الخيزران مع النسيم فوق أكشاك الطعام الشعبي، حيث يجلس الزوار على مقاعد بلاستيكية حمراء يتناولون الأرز المشوي والمعكرونة في مشهد فيتنامي تقليدي دافئ.
لكن خلف هذا الهدوء قصة عمرها 6 عقود؛ فهذه الأرض الجميلة كانت مسرحا لواحد من أعنف القصف الجوي في التاريخ الحديث، حيث أمطرتها القوات الأمريكية بنحو 9 آلاف طن من المتفجرات على مدار 8 سنوات خلال حرب فيتنام.
وبجوار تلك الأكشاك تماما، يقبع المدخل السري لعالم سفلي مذهل: مجمع أنفاق "فينه موك"، المدينة التي نحتت في باطن الأرض هربا من الفناء.
النزول إلى باطن الأرض.. خيار العيش أو الفناء
قبل عام 1965، كانت "فينه موك" قرية صيادين وادعة تتميز بحقول الأرز الخضراء والتربة البازلتية الحمراء المطلة على بحر الصين الجنوبي.
تغير كل شيء مع اتفاقيات جنيف عام 1954 التي قسمت فيتنام عبر "المنطقة منزوعة السلاح" شمال نهر "بن هاي"، لتجد القرية نفسها فجأة على خطوط الإمداد الرئيسية لجيش فيتنام الشمالية، وبالتالي هدفا مباشرا للقاذفات الأمريكية.
مع استحالة العيش فوق الأرض ورفض السكان مغادرة أراضيهم، قرر القرويون اتخاذ قرار استراتيجي غير مألوف: الانتقال بالكامل إلى أسفل القرية، وتحت إشراف قائد حرس الحدود آنذاك "ليه شوان في"، وبناء على مقترح من المسؤول الحزبي "تران نام ترونغ"، بدأ حفر المجمع عام 1965 ليستمر العمل عامين كاملين باستخدام أدوات بدائية مستغلين صلابة التربة الطينية المحلية ومقاومتها للانهيار.
قرية كاملة مكتفية ذاتيا تحت الأرض
لم تكن "فينه موك" مجرد خنادق ضيقة للاختباء كأنفاق "كوتشينغ" الشهيرة، بل صممت لتكون قرية سكنية متكاملة ومقاومة للقنابل على امتداد 1.6 كيلومتر، وتميزت بالآتي:
- تصميم متعرج: نحتت الممرات بشكل متعرج لامتصاص موجات الانفجار الارتدادية التي تنتقل في خطوط مستقيمة.
- ثلاثة مستويات عمق: تراوحت الأعماق بين 15 و23 مترا تحت الأرض لتوفير حماية مطلقة من أثقل القذائف.
- التهوية والإمداد: احتوى المجمع على 13 مخرجا (7 تطل على البحر و6 على المزارع) لتأمين تيارات الهواء المتجدد، ومتابعة الزراعة ليلا، وإرسال الإمدادات سرا إلى جزيرة "كون كو".
- آبار المياه العذبة: حفرت آبار داخلية لتأمين الشرب دون الحاجة للصعود إلى السطح.
سنوات العيش في العتمة وميلاد 17 طفلا
كان التخلي عن ضوء الشمس الاستوائي والعيش في رطوبة وظلام الأنفاق الخانق تجربة مريرة عاشها نحو 400 شخص بين عامي 1965 و1972، ولم يكن متاحاً لهم سوى مصابيح الزيت الشحيحة، والتي كانوا يطفئونها غالبا لتفادي رصدهم، وتحولت التجاويف الصغيرة في الجدران (بأبعاد متر في مترين) إلى غرف نوم لعائلات كاملة.
ورغم الرعب الذي كان يملأ الأجواء فوق الأرض، كانت الحياة تولد في الظلام؛ حيث يضم المجمع حجرة صغيرة تحولت إلى "جناح للولادة" شهد تسجيل 17 مولودا جديدا أبصروا النور تحت الأرض، من بينهم الطفلة "هو ثي جيو" التي ولدت هناك وظلت شاهدة على هذه الملحمة.
وللطهي دون إثارة انتباه الطائرات الأمريكية، استخدم القرويون "موقد هوانغ كام" الذكي، وهو ابتكار عسكري يعتمد على قنوات طويلة تحت الأرض لتبريد الدخان وتشتيته قبل خروجه من فتحات مموهة على السطح، وبفضل هذه العبقرية الهندسية، سجلت السجلات التاريخية للمتحف مفاجأة مذهلة: لم تسجل حالة وفاة واحدة داخل الأنفاق طوال سنوات القصف.
من جحيم الحرب إلى قطار السياحة العالمية
اليوم، تحولت هذه الأنفاق المرعبة إلى واحدة من أشهر الوجهات السياحية في مقاطعة "كوانغ تري"، ورحلة يومية أساسية تنطلق من مدينة "هوي" الإمبراطورية المدرجة على قائمة اليونسكو.
تنتهي جولة الزوار بالصعود عبر درجات صخرية حادة ليخرجوا إلى نسيم بحر الصين الجنوبي المنعش وهدير أمواجه، تاركين وراءهم الصمت الثقيل للأنفاق، ليتناولوا حساء "فو بو" الشهير فوق المقاعد البلاستيكية ذاتها، مستحضرين عظمة الإرادة البشرية التي انتصرت على أعتى آلات الدمار.



