رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أثر يحكي قصة سلطان.. جولة داخل مجمع قلاوون في قلب القاهرة التاريخية

مجمع قلاوون
مجمع قلاوون

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى امتداد شارع المعز بمنطقة الجمالية، يقف مجمع السلطان المنصور قلاوون شاهدًا على ازدهار العمارة المملوكية وتنوع وظائف المنشآت الدينية والعلمية والطبية في مصر خلال القرن السابع الهجري.

ويحمل الأثر رقم 43، ويعود إنشاؤه إلى الفترة بين عامي 683 و684هـ / 1283 و1284م، بأمر السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي، ليصبح واحدًا من أبرز المجمعات المعمارية التي جمعت في تكوين واحد بين المدرسة والقبة الضريحية والبيمارستان والمئذنة.

من هو السلطان قلاوون؟

السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، أحد أبرز سلاطين دولة المماليك البحرية، وكان في بدايات حياته مملوكًا للأمير علاء الدين الساقي الصالحي.

وتذكر المصادر التاريخية أنه كان أول مملوك يُباع في مصر بألف دينار، ومن هنا ارتبط اسمه بلقب «الألفي».

تولى قلاوون عرش السلطنة عقب خلع الملك سلامش في 22 رجب سنة 678هـ، وامتدت فترة حكمه نحو إحدى عشرة سنة، شهدت خلالها الدولة المملوكية عددًا من الحملات العسكرية والتحولات السياسية المهمة.

وارتبط عهده بمواجهة الأخطار الخارجية وتثبيت نفوذ الدولة المملوكية في بلاد الشام، كما خاض حملات ضد المغول والصليبيين، واستعاد عددًا من المواقع والحصون، ومن أبرزها حصن المرقب، وبرج اللاذقية، ثم مدينة طرابلس سنة 688هـ.

وتوفي السلطان قلاوون في 6 ذي القعدة سنة 689هـ، بعد فترة حكم ترك خلالها عددًا من المنشآت المعمارية المهمة، كان أبرزها المجمع الذي يحمل اسمه في شارع المعز.

مجمع يجمع العبادة والعلم والطب

https://images.openai.com/static-rsc-4/oj-B4aclJERRHPAvYbMvJ3eZKf6kfKTmwv_SmHNaGHPx1qitgsA0m7hrlv8DtvsyL3-Ar0JaWHCdG-07k5NoXogVjW4zxq42gh97MtEmIZwRmvFGYEpf1wkffG1P0LYeDnSTRLwdTHjp2R93ToDKsFzarnv1IkTssi62tBuO96EaTJEZgYYiS_I7TMF-7S1A?purpose=fullsize

تكمن أهمية مجمع قلاوون في تكامله الوظيفي والمعماري؛ إذ لم يكن مجرد مدرسة أو ضريح، وإنما جمع بين المدرسة والقبة الضريحية والبيمارستان والمئذنة داخل وحدة معمارية متكاملة.

وتطل الواجهة الرئيسية للمجمع مباشرة على شارع المعز، وتمتد لنحو 67 مترًا، بارتفاع يصل إلى 20 مترًا، وتتميز بتقسيمها إلى وحدات رأسية متكررة تتخللها الدخلات المعقودة والأعمدة الرخامية والنوافذ المزخرفة.

ويتوج الواجهة شريط كتابي يتضمن اسم المنشئ وألقابه وتاريخ إنشاء المجمع، بينما تنتهي أعلى الواجهة بصفوف من الشرفات المسننة ذات الزخارف النباتية.

باب يحمل ذاكرة إنشاء المجمع

يتوسط الواجهة الرئيسية الباب الذي يؤدي إلى المجمع، ويعلو عتبته نص تأسيسي يؤرخ لبداية أعمال البناء ونهايتها.

وينص النص على أن السلطان المنصور قلاوون أمر بإنشاء القبة والمدرسة والبيمارستان، وأن العمل بدأ في ربيع الآخر سنة 683هـ، واكتمل في جمادى الأولى سنة 684هـ.

وتكشف هذه الكتابة عن سرعة إنجاز المشروع خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، كما تمثل وثيقة تاريخية ومعمارية تسجل اسم المنشئ وتاريخ إقامة المجمع.

المدرسة.. مساحة للعلم والطلاب

Cairo, Egypt, Africa, January 24, 2018: Qalawun Mausoleum. The high walls and pillars of an old stone building with elegant decorations. The central part of the mausoleum.

تقع المدرسة ضمن التكوين المعماري للمجمع، وتتميز بواجهة بارزة عن واجهة الضريح، يبلغ طولها نحو 23 مترًا، وتتكون من خمس حنايا رأسية تضم كل منها ثلاثة مستويات من النوافذ.

ويؤدي المدخل إلى دهليز وممرات تنتهي إلى صحن المدرسة، وهو صحن مستطيل مكشوف تحيط به خلاوي الطلاب.

وتضم المدرسة عددًا من حجرات إقامة الطلاب، كما شهدت بعض أجزائها تغييرات وإضافات خلال عصور لاحقة، من بينها أعمال ارتبطت بالأمير عبد الرحمن كتخدا في العصر العثماني.

أما التخطيط الداخلي فيتضمن إيوانين متقابلين، من أبرزها إيوان القبلة الذي يتسم بتكوين معماري مميز، حيث ينقسم إلى ثلاث بلاطات بواسطة عقود قائمة على أعمدة جرانيتية.

ويتوسط جدار القبلة محراب نصف دائري، تحيط به عناصر زخرفية، بينما تزين أجزاء منه القندليات الجصية المعشقة بالزجاج الملون.

القبة الضريحية.. قلب المجمع

تعد القبة الضريحية من أبرز عناصر مجمع قلاوون وأكثرها تميزًا، وتظهر واجهتها في مجموعة من الدخلات المعقودة التي تتوزع فيها مستويات مختلفة من النوافذ.

وتتنوع النوافذ بين فتحات مستطيلة مزودة بالمصبعات البرونزية، ونوافذ من الجص المعقود والمعشق بالزجاج الملون، إلى جانب القندليات الجصية ذات التفاصيل الزخرفية الدقيقة.

ويؤدي مدخل مستقل إلى داخل الضريح، ويحمل هذا الباب نصًا تأسيسيًا آخر يؤرخ لبداية إنشاء القبة في شوال سنة 683هـ واكتمالها في صفر سنة 684هـ.

مدفن السلطان وأبنائه

Qalawun Complex Cairo (2026) – Best of TikTok, Instagram & Reddit Travel Guide

تتكون قاعدة القبة من مسقط مربع، يتوسطه بيت الصلاة المحمول على أربعة أكتاف ضخمة مكسوة بالفسيفساء الرخامية.

وتحيط بهذه العناصر أزواج من الأعمدة الجرانيتية ذات التيجان المذهبة، بينما تحمل العقود رقبة القبة المرتفعة التي تغطي منطقة الدفن.

ويضم الضريح مدفن السلطان قلاوون، إلى جانب ابنيه الناصر محمد وعلاء الدين، وتتميز الجدران الداخلية بالتكسية الرخامية والمفرغات الجصية والزخارف التي تعكس ثراء الفن المملوكي.

المئذنة.. عنصر بارز في واجهة المجمع

ترتفع مئذنة المجمع عند الطرف الشرقي لواجهة الضريح، وتتكون من ثلاثة طوابق معمارية.

ويأتي الطابقان السفلي والأوسط بتخطيط مربع، بينما يأخذ الطابق الثالث شكلًا أسطوانيًا، ويزدان بزخارف هندسية متقاطعة.

وتوج المئذنة قمة حديثة نسبيًا مقارنة بعناصرها الأصلية، وتضم جسمًا منتفخًا وهلالًا نحاسيًا، وهي من التجديدات التي ارتبطت بعهد السلطان الناصر محمد بعد زلزال سنة 703هـ.

البيمارستان.. الطب في قلب القاهرة المملوكية

ومن أهم ما يميز مجمع قلاوون وجود البيمارستان، الذي جعل من المجمع مؤسسة تجمع بين الوظيفة الدينية والتعليمية والطبية.

ويقع البيمارستان خلف كتلة المدرسة والضريح، وكان تخطيطه الأصلي يقوم حول صحن مركزي تحيط به أربعة إيوانات.

ورغم اندثار أجزاء كبيرة من البيمارستان عبر الزمن، لا تزال بعض عناصره المعمارية قائمة، ومن بينها أجزاء من الإيوان الشرقي، الذي يضم بقايا فسقية رخامية وشاذروانًا مكسوًا بالرخام.

ويُستخدم جزء من بقايا البيمارستان حاليًا كمستشفى لعلاج الرمد، بما يعكس استمرار الارتباط التاريخي للمكان بالوظيفة الطبية.

نقوش تأسيسية تحفظ قصة المكان

يحمل المجمع عددًا من النقوش التأسيسية التي تمثل مصدرًا مهمًا لفهم تاريخ إنشائه.

ومن أبرزها النقش الموجود على عتبة الباب الرئيسي، والذي يذكر أن السلطان المنصور سيف الدين قلاوون أمر بإنشاء القبة والمدرسة والبيمارستان، وأن أعمال البناء بدأت في ربيع الآخر سنة 683هـ وانتهت في جمادى الأولى سنة 684هـ.

كما يحمل باب القبة نصًا تأسيسيًا مستقلًا، يؤكد أن إنشاء القبة بدأ في شوال سنة 683هـ، واكتمل في صفر سنة 684هـ.

وتمنح هذه النصوص الأثرية للمجمع قيمة توثيقية إضافية، إذ لا تقتصر أهميتها على الجانب الزخرفي، وإنما تسجل معلومات مباشرة عن المنشئ وفترة البناء.

قلاوون وشارع المعز.. ذاكرة القاهرة المملوكية

Historic Qalawun Complex in Cairo, featuring intricate architecture, tall minarets, and domes under a blue sky with clouds. A significant cultural landmark on Al-Muizz Street.

ويحتل مجمع السلطان قلاوون موقعًا مهمًا ضمن النسيج التاريخي لشارع المعز، الذي يضم مجموعة كبيرة من المنشآت التي تعكس تطور القاهرة خلال العصور الإسلامية المختلفة.

وتجاور منشآت المجمع آثارًا مملوكية وإسلامية أخرى، ما يجعل المنطقة واحدة من أبرز المواقع التي يمكن من خلالها قراءة تاريخ العمارة الإسلامية في القاهرة من خلال المباني والنقوش والزخارف وتخطيط الشوارع.

ولا تكمن أهمية المجمع في جمال تفاصيله المعمارية فقط، وإنما في كونه نموذجًا لمفهوم المنشأة المتكاملة التي تجمع بين العبادة والتعليم والعلاج والدفن في إطار معماري واحد.

شاهد على ازدهار العمارة المملوكية

وبمرور أكثر من سبعة قرون على إنشائه، لا يزال مجمع السلطان قلاوون يحتفظ بمكانته كأحد أبرز معالم القاهرة التاريخية، وشاهدًا على ما بلغته العمارة المملوكية من تطور في التصميم والزخرفة واستغلال المساحات.

وتتجلى في المجمع مجموعة من العناصر التي تميز العمارة الإسلامية في القاهرة، من الواجهات الحجرية والنقوش الكتابية إلى القباب والمآذن والمقرنصات والأعمال الرخامية والجصية.

ويظل المجمع اليوم جزءًا من ذاكرة القاهرة التاريخية، ومقصدًا للباحثين والمهتمين بالآثار والعمارة الإسلامية، كما يقدم لزائري شارع المعز صورة حية عن مرحلة مهمة من تاريخ مصر المملوكية، حين اجتمعت في مكان واحد العمارة والدين والعلم والطب والفن.

تم نسخ الرابط