رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«طيران الرياض» يغيّر قواعد اللعبة.. لماذا أصبح تدريب الكوادر أولوية ؟

Go Egypia

 

لم يعد التوسع في صناعة الطيران السعودية مرتبطًا فقط بعدد الطائرات التي تدخل الخدمة أو الوجهات الجديدة التي تُضاف إلى خريطة السفر، فمع التحول المتسارع الذي يشهده القطاع، أصبحت هناك معادلة أخرى لا تقل أهمية: من سيقود هذه الطائرات؟ ومن سيصونها؟ ومن سيدير العمليات ويضمن سلامة التشغيل وجودة الخدمة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية أكبر مع دخول «طيران الرياض» مرحلة التشغيل الفعلي، بعد وصول أولى طائراته من طراز بوينج 787-9 إلى المملكة وبدء بيع التذاكر لعدد من الوجهات الدولية. وتأتي هذه الخطوة ضمن مشروع أوسع يستهدف بناء ناقل جوي عالمي من الرياض، مع طموح للوصول إلى أكثر من 100 وجهة دولية بحلول عام 2030.

طيران الرياض.. مشروع أكبر من شركة طيران

منذ الإعلان عن تأسيس «طيران الرياض»، ارتبط المشروع بأهداف تتجاوز تشغيل رحلات جوية جديدة؛ فالناقل الجديد يمثل أحد محاور التحول في قطاع الطيران السعودي، ويستفيد من الموقع الجغرافي للمملكة كحلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

ومع وصول الطائرات الجديدة وتوسع شبكة الرحلات، تتزايد الحاجة إلى منظومة متكاملة من الكفاءات البشرية القادرة على تشغيل الأسطول وإدارة العمليات وفق معايير السلامة والتشغيل الدولية.

وقد وصلت أولى طائرات الشركة من طراز بوينج 787-9 إلى الرياض في يونيو 2026، فيما أعلنت الشركة عن تشغيل رحلات إلى عدد من الوجهات، بينها القاهرة ودبي وجدة ومدريد ومانشستر.

وهنا تظهر أهمية التدريب باعتباره الحلقة التي تربط بين الطائرة والوجهة والموظف.

لماذا أصبح التدريب أولوية؟

صناعة الطيران لا تسمح بأن يسبق التوسعَ إعدادُ الكوادر؛ فكل طائرة جديدة تحتاج إلى طيارين ومهندسي صيانة وأطقم ضيافة وموظفين في العمليات والمطارات والسلامة والخدمات الأرضية.

ومع اتساع سوق الطيران السعودي، تصبح الحاجة أكبر إلى كوادر محلية تمتلك مهارات متخصصة وقادرة على التعامل مع تقنيات الطائرات الحديثة والأنظمة الرقمية ومتطلبات السلامة والتشغيل.

ولهذا ركزت منظمات دولية مثل الاتحاد الدولي للنقل الجوي «IATA» على ضرورة مواءمة برامج التدريب في المملكة مع احتياجات سوق العمل، وسد فجوات المهارات، مع الاهتمام بالتدريب المبكر والمهارات الرقمية والمهارات الأساسية المرتبطة بالسلامة والتشغيل.

من الطيار إلى مهندس الصيانة.. سلسلة لا تتوقف

عندما نتحدث عن تدريب قطاع الطيران، فإن الصورة لا تقتصر على الطيارين.

هناك منظومة كاملة تبدأ من الطيارين وأطقم الضيافة، وتمتد إلى مهندسي صيانة الطائرات وفنيي إلكترونيات الطيران، وموظفي العمليات والمراقبة والسلامة والخدمات الأرضية.

وهذا ما يفسر اتجاه شركات الطيران السعودية نفسها إلى إنشاء وتطوير مراكز تدريب متخصصة. ففي أغسطس 2026 أعلنت «طيران ناس» بدء إنشاء مركز تدريب متطور للطيارين وأطقم الضيافة في الرياض باستثمارات تتجاوز 200 مليون ريال، وبطاقة تصل إلى نحو 700 متدرب يوميًا، على أن يبدأ تشغيله في 2028.

المشهد هنا يكشف أن المنافسة لم تعد فقط على الطائرات والوجهات، وإنما أصبحت أيضًا على امتلاك منظومة تدريب قادرة على إنتاج الكفاءات.

«التوظيف أولًا».. تدريب مرتبط بسوق العمل

وتتجه «طيران الرياض» نفسها إلى ربط التدريب بالتوظيف، من خلال برامج تستهدف إعداد الكوادر السعودية.

فالشركة أطلقت برامج تدريب للطيارين وأطقم الضيافة، من بينها برامج دراسية وتدريبية خارج المملكة لإعداد مهندسين وطيارين، كما تعرض برامج لأطقم الضيافة مصممة لتأهيل الجيل الجديد من الكوادر السعودية وفق معايير دولية، مع ربط بعض المسارات بالتوظيف بعد اجتياز التدريب.

وهنا تتحول فكرة التدريب من مجرد مرحلة تعليمية إلى جزء من استراتيجية بناء القوى العاملة داخل القطاع.

مصر والسعودية.. التدريب كجسر للتكامل

في هذا السياق، يأتي توقيع بروتوكول التعاون بين الأكاديمية المصرية لعلوم الطيران والأكاديمية السعودية للطيران المدني ليكتسب أهمية تتجاوز مجرد تبادل البرامج والدورات.

فالاتفاق يفتح المجال أمام تبادل المدربين وأعضاء هيئة التدريس والخبرات، إلى جانب التعاون في الاستشارات والدراسات والبحوث المتخصصة، وهو ما يسمح بتبادل الخبرات بين منظومتين تعملان في سوقين يشهدان توسعًا في حركة النقل الجوي.

وتصبح أهمية هذا التعاون أكثر وضوحًا مع ارتفاع الطلب على الكفاءات المتخصصة؛ فكلما توسعت شركات الطيران وزادت الرحلات والوجهات، زادت الحاجة إلى تدريب مستمر يواكب التكنولوجيا وتطور أنظمة التشغيل.

سوق يتوسع.. واحتياجات بشرية تتغير

تستهدف الاستراتيجية الوطنية للطيران في السعودية رفع حركة المسافرين إلى نحو 330 مليون مسافر سنويًا بحلول 2030، إلى جانب توسيع شبكة الربط الجوي والوصول إلى أكثر من 250 وجهة دولية.

وهذه الأهداف تعني أن قطاع الطيران السعودي أمام مرحلة توسع كبيرة، ليس فقط من حيث أعداد المسافرين، وإنما من حيث المطارات وشركات الطيران والخدمات اللوجستية والصيانة والعمليات.

وبالتالي، فإن أي توسع في البنية التحتية أو الأسطول سيحتاج إلى توسع موازٍ في قاعدة الكفاءات البشرية.

الطائرات الجديدة تحتاج إلى عقول جديدة

ومع دخول طائرات حديثة مثل بوينج 787-9 إلى أسطول «طيران الرياض»، يصبح التدريب أكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا.

فالطائرات الحديثة تعتمد على أنظمة متطورة، وتتطلب من الطيارين والمهندسين وأطقم التشغيل معرفة دقيقة بالتقنيات الرقمية وأنظمة الملاحة وإدارة الرحلات والصيانة.

كما أن توحيد بعض أنواع الطائرات داخل الأسطول يمكن أن يساعد في تبسيط عمليات التدريب والصيانة؛ وقد أشارت بوينج إلى أن تشغيل طرازات 787-9 و787-10 يوفر درجة من التشابه في أنظمة قمرة القيادة وإجراءات الصيانة وتدريب الطيارين.

المنافسة المقبلة ليست على السماء فقط

ومع تحول المملكة إلى مركز عالمي للطيران والسياحة والخدمات اللوجستية، فإن المنافسة الإقليمية ستتجه بصورة متزايدة نحو جودة المنظومة بأكملها.

فالطائرة وحدها لا تصنع شركة طيران ناجحة، والوجهة الجديدة لا تكفي لجذب المسافر، والمطار الحديث يحتاج إلى موظفين مؤهلين لإدارته.

ومن هنا يصبح الاستثمار في البشر جزءًا أساسيًا من الاستثمار في الطائرات والمطارات.

مصر أمام فرصة جديدة

وبالنسبة لمصر، يمكن أن يمثل التعاون مع المؤسسات السعودية في مجال التدريب فرصة لتبادل الخبرات والاستفادة من احتياجات سوق طيران يتوسع بسرعة.

فالأكاديميات ومراكز التدريب لا تقوم فقط بإعداد الطيارين، وإنما يمكنها أن تصبح منصات للتعاون في مجالات السلامة والصيانة والعمليات وإدارة المطارات والبرامج الأكاديمية والبحوث المتخصصة.

ومع تنامي حركة النقل الجوي بين مصر والسعودية، فإن وجود مسارات تعاون مستمرة بين مؤسسات التدريب في البلدين يمكن أن يدعم احتياجات السوقين، ويخلق مساحة أكبر لتبادل الخبرات والكفاءات.

فإذا كانت الطائرات هي التي ستفتح أبواب السماء أمام «طيران الرياض»، فإن الكوادر المؤهلة هي التي ستحدد إلى أي مدى يستطيع هذا الناقل أن يحلق، وأن يحافظ على النمو، وأن يحول طموحات قطاع الطيران السعودي إلى واقع تشغيلي مستدام.

تم نسخ الرابط