رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لصوص المقابر سبقوا علماء الآثار.. ماذا تركوا خلفهم داخل آبار سقارة؟

سقارة
سقارة

لم تبدأ الحكاية داخل آبار الدفن المكتشفة حديثًا في جبانة البوباسطيون بسقارة مع وصول علماء الآثار، فقبل آلاف السنين من أعمال الحفائر الحديثة، كانت بعض هذه الآبار قد تعرضت بالفعل لمحاولات نهب، تركت وراءها آثارًا تكشف جانبًا غامضًا من تاريخ المكان.

وخلال الموسم الأول لأعمال البعثة الأثرية المصرية في القطاع «A غرب البوباسطيون»، كشفت الحفائر عن منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمت العديد من الدفنات واللقى الأثرية، إلى جانب مقبرة تعود إلى عصر الدولة القديمة لصاحبها «سخنتيو-بتاح».

لكن المفاجأة أن بعض الآبار لم تصل إلى العصر الحديث بحالتها الأصلية، إذ أظهرت الدراسات الأولية تعرض عدد منها للنهب منذ العصور القديمة، وهو ما تؤكده فتحات أحدثها لصوص المقابر للوصول إلى الحجرات الجنائزية.

وهكذا، لم تكشف الحفائر فقط عما تركه المصريون القدماء خلفهم، وإنما كشفت أيضًا آثار من حاولوا الوصول إلى هذه الكنوز قبل آلاف السنين.

فتحات اللصوص تحكي قصة السرقة

تعد آثار النهب القديمة واحدة من أهم الشواهد التي تساعد علماء الآثار على فهم ما حدث داخل الجبانة بعد دفن أصحاب المقابر، إذ تكشف الفتحات التي أحدثها اللصوص عن محاولات الوصول إلى الحجرات الجنائزية ومحتوياتها.

ورغم عمليات النهب التي تعرضت لها بعض الآبار، فإن اللصوص لم يتمكنوا من إزالة كل ما كان موجودًا بها، وهو ما أتاح للبعثة العثور على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية التي تحمل معلومات مهمة عن طقوس الدفن والمعتقدات الجنائزية.

ومن بين المكتشفات دفنات آدمية وكميات كبيرة من الكرتوناج الجنائزي الملون، إلى جانب أكثر من مائة تمثال أوشابتي مصنوع من الفيانس، وهي تماثيل ارتبطت بالمعتقدات الجنائزية المصرية القديمة.

كما عثرت البعثة على ثلاثة توابيت حجرية مغلقة وفي حالتها الأصلية، إلى جانب تمثال خشبي على هيئة صقر ومجموعة متنوعة من الأواني الفخارية واللقى الأثرية.

كنوز نجت من أيدي النهابين

وجود هذه المجموعة المتنوعة من الآثار داخل الآبار، رغم تعرض بعضها للنهب، يمنح الكشف أهمية خاصة؛ إذ يشير إلى أن عمليات السرقة القديمة لم تؤدِ إلى اختفاء جميع محتويات الجبانة.

وتسمح هذه المكتشفات للمتخصصين بدراسة أساليب الدفن والطقوس الجنائزية خلال العصر المتأخر، فضلًا عن تتبع مراحل إعادة استخدام الجبانة خلال فترات تاريخية مختلفة.

وتكشف القطع المتبقية كذلك عن طبيعة ما كان المصري القديم يضعه مع الموتى، بداية من التوابيت والتماثيل الجنائزية وصولًا إلى الأواني والمواد المرتبطة بالممارسات الجنائزية.

وبذلك تحولت آثار السرقة نفسها إلى دليل أثري؛ فالفتحات التي أحدثها اللصوص لم تعد مجرد علامة على فقدان بعض القطع، وإنما أصبحت جزءًا من القصة التي يحاول علماء الآثار إعادة بنائها.

مقبرة سخنتيو-بتاح تفتح فصلًا أقدم

وفي المنطقة نفسها، كشفت البعثة عن بقايا المقصورة الجنائزية لمقبرة «سخنتيو-بتاح»، التي تعود إلى عصر الدولة القديمة، وعُثر بداخلها على الباب الوهمي في موضعه الأصلي.

وأمام الباب الوهمي ظهرت مجموعة متكاملة من أدوات الطقوس الجنائزية المصنوعة من الألباستر، تضم مائدة وقرصًا للقرابين، وحوضًا للتطهير، وإبريقًا وطستًا.

والأهم أن هذه العناصر تحمل نقوشًا هيروغليفية باسم صاحب المقبرة وألقابه، وهو ما مكّن الباحثين من تحديد هوية صاحب المقبرة والتعرف على مكانته داخل الجهاز الإداري للدولة القديمة.

وتضم ألقابه الحاجب الملكي، والمشرف على جميع أعمال الملك، والمشرف على الوثائق الملكية، والقائم على أسرار الأوامر الملكية، وكاهن المعبودة ماعت، والمشرف على الكتبة، وهي ألقاب تعكس مكانة إدارية بارزة.

سقارة.. جبانة لم تتوقف عن كشف أسرارها

تكشف نتائج الحفائر أن جبانة البوباسطيون لم تكن موقعًا ارتبط بفترة تاريخية واحدة، وإنما شهدت استخدامًا متواصلًا عبر عصور مختلفة، وهو ما يظهر بوضوح من اختلاف طبيعة المكتشفات وتواريخها.

ففي موقع واحد، ظهرت آثار مرتبطة بمقبرة من عصر الدولة القديمة، إلى جانب منظومة من آبار الدفن والدفنات واللقى التي تعود إلى مراحل تاريخية لاحقة.

وهذا التنوع يمنح الموقع قيمة علمية استثنائية، لأنه يسمح للباحثين بتتبع تطور العمارة الجنائزية وأساليب الدفن والطقوس المرتبطة بالموتى عبر فترات زمنية متعاقبة.

ولا تزال أعمال التوثيق والتحليل والدراسة مستمرة، وسط مؤشرات على إمكانية الكشف عن المزيد من المنشآت واللقى الأثرية، لتبقى سقارة واحدة من أكثر المواقع المصرية قدرة على تحويل طبقات الماضي إلى قصص جديدة عن الحضارة المصرية القديمة.

تم نسخ الرابط