رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مقبرة وتوابيت مغلقة و100 تمثال أوشابتي.. تفاصيل اكتشاف أثري جديد في سقارة

المقبرة الجديدة
المقبرة الجديدة

تكشف أرض سقارة من جديد عن أسرارها المدفونة منذ آلاف السنين، بعدما أعلنت البعثة الأثرية المصرية العاملة في جبانة البوباسطيون بمنطقة آثار سقارة نتائج الموسم الأول من أعمال الحفائر بالقطاع «A غرب البوباسطيون»، والذي أسفر عن مجموعة من الاكتشافات الأثرية المهمة، في مقدمتها مقبرة تعود إلى عصر الدولة القديمة لصاحبها «سخنتيو-بتاح»، إلى جانب شبكة مترابطة من آبار الدفن التي ضمت دفنات ولقي أثرية متنوعة.

وتكشف المكتشفات الجديدة عن الأهمية الحضارية والجنائزية التي تمتعت بها المنطقة، كما تقدم أدلة جديدة على استمرار استخدام جبانة البوباسطيون عبر فترات تاريخية متعاقبة، بما يفتح المجال أمام الباحثين لإعادة قراءة تاريخ الموقع وتطور تخطيطه المعماري والجنائزي على مدار عصور مختلفة.

مقبرة «سخنتيو-بتاح» تكشف أسرار الدولة القديمة

وأظهرت أعمال الحفائر بقايا المقصورة الجنائزية لمقبرة «سخنتيو-بتاح»، حيث عثرت البعثة على الباب الوهمي في موضعه الأصلي، في اكتشاف يوفر معلومات مهمة حول طبيعة المقابر والطقوس الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.

وعثر أمام الباب الوهمي على مجموعة متكاملة من أدوات الطقوس الجنائزية المصنوعة من الالباستر، تضمنت مائدة وقرصا للقرابين، وحوضا للتطهير، وإبريقا وطستا.

وتكتسب هذه المجموعة أهمية خاصة لوجودها في موضعها الأصلي داخل المقصورة الجنائزية، إلى جانب احتفاظ عناصرها بنقوش هيروغليفية تحمل اسم صاحب المقبرة وألقابه، وهو ما يتيح للباحثين قراءة تفاصيل أكثر عن مكانته ودوره في المجتمع المصري القديم.

ألقاب تكشف مكانة صاحب المقبرة

ومكنت النقوش الهيروغليفية المحفوظة على الباب الوهمي والعناصر الجنائزية من تحديد اسم صاحب المقبرة وعدد من ألقابه، والتي تعكس مكانته الإدارية المرموقة داخل جهاز الدولة القديمة.

ومن بين الألقاب التي حملها «سخنتيو-بتاح»: الحاجب الملكي، والمشرف على جميع أعمال الملك، والمشرف على الوثائق الملكية، والقائم على أسرار الأوامر الملكية، وكاهن المعبودة ماعت، والمشرف على الكتبة.

وتقدم هذه الألقاب مؤشرات مهمة على طبيعة الوظائف التي شغلها صاحب المقبرة، وعلى موقعه داخل الجهاز الإداري للدولة، كما تضيف بعدا جديدا لفهم التركيبة الإدارية والاجتماعية خلال عصر الدولة القديمة.

وأكد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، أن الكشف الجديد يبرز الأهمية الحضارية والجنائزية لجبانة البوباسطيون، وما شهدته المنطقة من استخدام متواصل عبر عصور تاريخية مختلفة.

وأشار إلى أن الاكتشاف يمثل إضافة علمية مهمة لفهم تاريخ الموقع وتطوره، مؤكدا أهمية استمرار أعمال الحفائر والدراسات العلمية بالمنطقة للكشف عن المزيد من تفاصيل تاريخها الأثري.

برنامج علمي متكامل لأعمال الحفائر

وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أعمال الحفائر تمت وفقا لبرنامج علمي متكامل، شمل الحفر الدقيق والتسجيل الطبقي، إلى جانب التوثيق المعماري والفوتوغرافي والرقمي.

كما تضمنت أعمال البعثة إجراء دراسات أثرية ولغوية ومقارنات علمية مع المكتشفات والنظائر الموجودة في مواقع أثرية أخرى، بما ساهم في قراءة المكتشفات الجديدة داخل سياقها الحضاري وإعادة تتبع مراحل التطور التاريخي والمعماري للجبانة.

ولم تقتصر نتائج الموسم الأول على مقبرة «سخنتيو-بتاح»، إذ كشفت البعثة أيضا عن منظومة مترابطة من آبار الدفن، ضمت عددا كبيرا من الدفنات الآدمية ومجموعة متنوعة من اللقى الأثرية.

وعثرت البعثة داخل هذه الآبار على كميات كبيرة من الكرتوناج الجنائزي الملون، وأكثر من 100 تمثال أوشابتي مصنوع من الفيانس، بالإضافة إلى ثلاثة توابيت حجرية عثر عليها مغلقة وفي حالتها الأصلية.

كما تضمنت المكتشفات تمثالا خشبيا على هيئة صقر، إلى جانب مجموعة متنوعة من الأواني الفخارية واللقى الأثرية الأخرى، التي تمثل مادة علمية مهمة لدراسة طبيعة الممارسات الجنائزية خلال الفترات التاريخية المختلفة.

اكتشافات تكشف تطور طقوس الدفن

وأكد محمد عبد البديع، رئيس قطاع الآثار المصرية، أن العثور على المجموعة المتكاملة من الأدوات الجنائزية في موضعها الأصلي داخل المقصورة يمثل كشفا مهما، لما توفره من معلومات حول الطقوس والممارسات الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.

وتساعد هذه العناصر، إلى جانب النقوش الهيروغليفية الموجودة عليها، في تكوين صورة أكثر وضوحا عن الممارسات المرتبطة بتجهيز المقابر والقرابين والطقوس التي كانت تتم داخل المقاصير الجنائزية.

وأشار الأستاذ قطب فوزي، رئيس الإدارة المركزية للقاهرة والجيزة، إلى أن بعض آبار الدفن تعرضت لعمليات نهب منذ العصور القديمة.

وأظهرت الدراسات الأولية وجود فتحات أحدثها لصوص المقابر بين الحجرات الجنائزية، بما يشير إلى محاولات قديمة للوصول إلى محتويات المقابر.

ورغم تعرض بعض الآبار للنهب، فإن المكتشفات التي ظلت في الموقع تحتفظ بقيمة أثرية وعلمية كبيرة، ويمكن أن تساعد الباحثين في دراسة التخطيط الداخلي للجبانة، وفهم تطور عمارتها ومراحل استخدامها عبر الفترات التاريخية المختلفة.

«البوباسطيون» تكشف عن تاريخ متعدد العصور

وأوضح الدكتور عمرو الطيبي، مدير عام منطقة آثار سقارة ورئيس البعثة، أن المكتشفات توفر مادة علمية ثرية لدراسة الطقوس الجنائزية وأساليب الدفن خلال العصر المتأخر.

كما تتيح هذه النتائج تتبع مراحل إعادة استخدام الجبانة خلال الفترات التاريخية المختلفة، وهو ما يعكس استمرارية الأهمية الجنائزية للموقع وتحوله إلى مساحة استخدمت للدفن وإقامة المنشآت الجنائزية عبر عصور متعاقبة.

ويمنح هذا التنوع الزمني جبانة البوباسطيون أهمية خاصة، باعتبارها موقعا يمكن من خلاله دراسة التغيرات التي طرأت على أنماط الدفن والعمارة والطقوس الجنائزية على مدى فترات تاريخية طويلة.

وتواصل البعثة الأثرية المصرية أعمال التوثيق والتحليل والدراسة والمقارنة العلمية للمكتشفات الجديدة مع نظائرها في المواقع الأثرية المختلفة.

ومن المقرر استكمال الدراسات المتخصصة ونشر نتائجها في دوريات علمية محكمة ومتخصصة، بما يتيح نتائج البحث للمجتمع العلمي وفقا للمعايير الأكاديمية المتبعة.

وتشير المؤشرات الأولية إلى إمكانية الكشف عن المزيد من المنشآت واللقى الأثرية خلال أعمال البعثة المقبلة، وهو ما قد يضيف فصولا جديدة إلى تاريخ جبانة البوباسطيون، ويسهم في استكمال توثيق واحدة من أبرز المناطق الأثرية متعددة العصور في مصر.

وبذلك لا يمثل الكشف الجديد مجرد العثور على مقبرة وآبار دفن ولقى أثرية، وإنما يفتح نافذة جديدة على تطور المجتمع المصري القديم وممارساته الجنائزية ونظامه الإداري، ويؤكد مرة أخرى أن سقارة ما زالت تحتفظ بالكثير من الأسرار التي تنتظر الكشف عنها.

تم نسخ الرابط