أزمة الشرق الأوسط تدفع الطيران الأوروبي إلى تسريع التحول نحو الوقود الأخضر
تواجه صناعة الطيران الأوروبية تحديات غير مسبوقة تتعلق بارتفاع أسعار الوقود التقليدي واضطراب سلاسل الإمداد، وذلك مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية.
وتتجه شركات الطيران الأوروبية بقوة نحو تبني وقود الطيران المستدام كخيار استراتيجي يضمن استمرارية التشغيل ويحد من التأثر بالأزمات العالمية.
اضطرابات الشرق الأوسط تضغط على قطاع الطيران
أثرت التوترات المتزايدة في منطقة الشرق الأوسط على حركة الشحن والطاقة العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط ومشتقاته.
وأدت الاضطرابات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية إلى تراجع انسيابية إمدادات الوقود، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على قطاع الطيران العالمي، خاصة في أوروبا التي تعتمد بصورة كبيرة على استيراد الوقود.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 20% من إمدادات وقود الطائرات عالميًا تأثرت بالتطورات الجيوسياسية، ما تسبب في ارتفاع تكاليف التشغيل بصورة ملحوظة.
ارتفاع حاد في أسعار وقود الطائرات
شهدت أسعار وقود الطائرات التقليدي قفزات كبيرة خلال الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت بنسب تقترب من 70% مقارنة بمستوياتها قبل اندلاع الأزمة. وفرض هذا الارتفاع أعباء مالية ضخمة على شركات الطيران الأوروبية التي لا تزال تسعى لتعزيز تعافيها الكامل من تداعيات جائحة كورونا وارتفاع تكاليف الطاقة عالميًا.
وتواجه الشركات تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على القدرة التنافسية من جهة، والالتزام بخطط خفض الانبعاثات الكربونية من جهة أخرى، وهو ما دفعها للبحث عن بدائل أكثر استدامة وأقل ارتباطًا بتقلبات أسواق النفط.
وقود الطيران المستدام.. البديل الأكثر أمانًا
برز وقود الطيران المستدام، المعروف اختصارًا باسم SAF، كأحد الحلول الرئيسية التي تعول عليها صناعة الطيران الأوروبية خلال السنوات المقبلة، ويتم إنتاج هذا الوقود من مصادر متجددة مثل زيوت الطهي المستعملة والوقود الاصطناعي الناتج عن دمج الهيدروجين الأخضر مع الكربون المعاد تدويره.
ويمتاز الوقود المستدام بقدرته على تقليل الانبعاثات الكربونية مقارنة بالوقود التقليدي، إلى جانب مساهمته في تقليل الاعتماد على النفط الخام، ما يجعله خيارًا استراتيجيًا في ظل الأزمات العالمية المتكررة.
Airbus وBoeing تدعمان التحول الأخضر
تواصل شركتا Airbus وBoeing دعم استخدام الوقود المستدام في الطائرات الحديثة، حيث تسمح الطرازات الحالية باستخدام خليط يحتوي على 50% من الوقود المستدام إلى جانب الوقود التقليدي.
كما تعمل الشركتان على تطوير تقنيات تسمح بالتشغيل الكامل باستخدام الوقود المستدام خلال السنوات المقبلة، في إطار الجهود العالمية للوصول إلى قطاع طيران منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة.
الاتحاد الأوروبي يفرض نسبًا إلزامية للوقود المستدام
في إطار خطته لتحقيق الحياد المناخي، بدأ الاتحاد الأوروبي تطبيق لائحة ReFuelEU، التي تلزم المطارات وشركات الطيران بزيادة نسبة الوقود المستدام تدريجيًا ضمن مزيج الوقود المستخدم.
وتستهدف الخطة رفع نسبة الوقود المستدام من 2% حاليًا إلى 6% بحلول عام 2030، مع مواصلة الزيادة تدريجيًا لتصل إلى 70% بحلول عام 2050، بما يسهم في خفض البصمة الكربونية لقطاع الطيران الأوروبي بشكل كبير.
تحديات الإنتاج وارتفاع التكلفة
رغم التوسع في الاعتماد على الوقود الأخضر، لا تزال هناك عقبات كبيرة تواجه الصناعة، أبرزها ارتفاع تكلفة الإنتاج. إذ يبلغ سعر الطن من وقود الطيران المستدام نحو ضعف تكلفة الوقود التقليدي تقريبًا، ما يزيد من الأعباء المالية على شركات الطيران.
كما أن حجم الإنتاج العالمي لا يزال محدودًا للغاية، حيث يمثل الوقود المستدام أقل من 1% من إجمالي وقود الطائرات المستخدم عالميًا، وهو ما يثير مخاوف بشأن قدرة الأسواق على تلبية الطلب المتزايد خلال السنوات المقبلة.
استثمارات أوروبية لتأمين مستقبل الطاقة
تسعى الشركات الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الإنتاجية في هذا المجال، حيث تواصل Neste توسيع إنتاجها من وقود الطيران المستدام، فيما تعمل TotalEnergies على تطوير مشروعات جديدة في فرنسا وبلجيكا لتلبية الطلب المتزايد.
كما تشهد القارة الأوروبية نموًا متسارعًا في عدد الشركات الناشئة المتخصصة في إنتاج الوقود الاصطناعي المستدام، بهدف تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات النفطية.
التحول الأخضر لم يعد خيارًا
يرى خبراء صناعة الطيران أن الاتجاه نحو وقود الطيران المستدام أصبح ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار بيئي، فالأزمات الجيوسياسية المتلاحقة والتقلبات المستمرة في أسواق الطاقة دفعت الحكومات والشركات إلى إعادة النظر في مستقبل الوقود التقليدي.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والبيئية، تبدو أوروبا عازمة على تسريع وتيرة التحول نحو الطاقة النظيفة في قطاع الطيران، إلا أن نجاح هذه الخطط سيظل مرتبطًا بزيادة الاستثمارات، وتطوير التكنولوجيا، وتوفير كميات كافية من الوقود المستدام بأسعار تنافسية تضمن استدامة القطاع وتحقيق أهداف المناخ في الوقت نفسه.





