كانت تستغرق عاما كاملا وتبدأ من شوال.. كيف كان رحلة الحج قديما عند المصريين؟
المحتويات
أكد محمد مندور، الباحث في التراث المصري، أن رحلة الحج لدى المصريين لم تكن مجرد فريضة دينية فحسب، بل تحولت عبر التاريخ إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية متكاملة، تشكلت ملامحها عبر قرون طويلة، وأصبحت جزءًا أصيلًا من الهوية والتراث المصري.
وأوضح مندور أن رحلة الحج امتزجت فيها العادات والتقاليد بالممارسات الدينية، ما أفرز أشكالًا متعددة من التعبير الشعبي، مثل الأغاني والاحتفالات والرسومات، مشيرًا إلى أن جذور هذه الرحلة تعود إلى مفهوم “الرحلة المقدسة” في مصر القديمة، مرورًا بالحج المسيحي إلى الأراضي المقدسة، وصولًا إلى دروب الحج الإسلامي التي انطلقت من مصر إلى الحجاز.
جذور تاريخية ممتدة لرحلة الحج
وأشار مندور إلى أن فكرة السفر إلى المقدس كانت حاضرة منذ الحضارة المصرية القديمة، من خلال رحلات دينية إلى أماكن مثل أبيدوس ومعابد الكرنك، قبل أن تتطور لاحقًا في العصر المسيحي عبر رحلات الحج إلى بيت المقدس وبيت لحم، ثم في العصر الإسلامي مع ترسخ رحلة الحج إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
القباطي المصري وكسوة الكعبة
وتناول الباحث الدور التاريخي لمصر في صناعة كسوة الكعبة، موضحًا أن عهد الخليفة عمر بن الخطاب شهد الاعتماد على القماش المصري المعروف بـ"القباطي"، وهو من أرقى أنواع المنسوجات التي اشتهرت بها مصر.
وأضاف أن صناعة المنسوجات في مصر كانت تتميز بتنوعها وجودتها العالية، خاصة في الفيوم ودمياط وغيرها من مراكز النسيج، وهو ما جعل مصر مركزًا رئيسيًا لتصنيع كسوة الكعبة على مر العصور.
المحمل المصري وطقوس الرحلة
وتطرق مندور إلى طقوس خروج كسوة الكعبة مع “المحمل المصري”، الذي كان يضم الهودج المزخرف المحمل بالكسوة، إلى جانب ستائر للمسجد النبوي والمشاعر المقدسة، فضلًا عن المباخر والمصاحف والهدايا.
وأشار إلى أن المحمل كان رمزًا تاريخيًا مهمًا يعكس مكانة مصر الدينية والثقافية، حيث كانت تُصنع الكسوة داخل “دار الكسوة” باستخدام تقنيات دقيقة مثل غرز “السيرما” وخيوط الذهب والفضة.
رحلة الحج عبر التاريخ والطرق التجارية
وأوضح الباحث أن مصر كانت تمثل نقطة التقاء رئيسية لقوافل الحج القادمة من المغرب والأندلس وشمال أفريقيا، قبل أن تنطلق جميعها في قافلة واحدة تحت قيادة “أمير الحج”، وهو المسؤول عن تأمين الحجاج وتوفير احتياجاتهم.
وأشار إلى أن هذه الرحلات كانت تستغرق أشهرًا طويلة، وتجمع بين أداء الفريضة وممارسة التجارة، حيث كان بعض الحجاج يستغلون الطريق في البيع والشراء أثناء الرحلة.
دور “أمير الحج” والرحلات المنظمة
ولفت إلى أن أمير الحج كان يتولى تنظيم القافلة وتأمينها، وتوفير الحماية العسكرية والطبية واللوجستية، مع وجود علماء وفقهاء وأطباء ضمن القافلة لخدمة الحجاج، إضافة إلى أموال مخصصة للحرمين الشريفين.
وذكر أن من أبرز من تولوا هذا المنصب عبر التاريخ شخصيات مثل صلاح الدين الأيوبي وبيبرس، وصولًا إلى العصر الحديث مع إبراهيم رفعت باشا، الذي وثق الرحلة في كتابه الشهير “مرآة الحرمين”.
رحلة ممتدة عبر الشهور
وأكد الباحث أن رحلة الحج لم تكن رحلة قصيرة، بل كانت تمتد لأشهر تبدأ غالبًا من شهر شوال، وتشمل الذهاب والإقامة وأداء المناسك ثم العودة، مشيرًا إلى أن بعض الرحلات كانت تستغرق قرابة عام كامل.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن رحلة الحج في الوعي المصري كانت دائمًا مزيجًا من الروحانيات والتقاليد والاقتصاد والثقافة، ما جعلها ظاهرة فريدة في التاريخ الاجتماعي المصري.



