رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من كلوب محمد علي للنادي الدبلوماسي.. حكاية مبنى شهد الملكية والثورة والجمهورية

كلوب محمد علي
كلوب محمد علي

وسط مباني القاهرة الخديوية، وتحديدًا عند تقاطع شارع طلعت حرب مع شارع البستان، يقف مبنى أبيض أنيق قد يمر أمامه المارة دون أن يعرفوا أن جدرانه تختزن أكثر من قرن من تاريخ القاهرة.

المبنى الذي يعرفه البعض اليوم باسم «النادي الدبلوماسي المصري»، كان في بدايات القرن العشرين مقرًا لـ«كلوب محمد علي»، أحد الأندية الاجتماعية البارزة في القاهرة خلال عصر الملكية، قبل أن تتغير تبعيته وأسماؤه مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها مصر.

البداية عام 1907

تعود قصة المكان إلى عام 1907، عندما بدأ إنشاء النادي في صورة شركة مساهمة بمشاركة أفراد من الأسرة المالكة وصفوة المجتمع، واختير له موقع مميز عند تقاطع شارع سليمان باشا، وهو الاسم القديم لشارع طلعت حرب حاليًا، مع شارع البستان.

وكان الأمير أحمد فؤاد، الذي أصبح لاحقًا الملك فؤاد الأول، أول رئيس للنادي، ليبدأ المكان منذ سنواته الأولى في الارتباط بالدوائر الاجتماعية والسياسية الرفيعة في القاهرة.

ولم يكن اختيار الموقع مصادفة، إذ كان قلب القاهرة في ذلك الوقت يشهد توسعًا عمرانيًا كبيرًا، وظهور العديد من المباني والنوادي والمؤسسات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من ذاكرة وسط البلد.

مبنى يتغير مع الزمن

ومع اتساع نشاط النادي، شهد المبنى نفسه تطورات معمارية أضافت إلى تكوينه الحالي.

وفي نوفمبر عام 1930، أضيف طابق ثالث إلى المبنى، ونُسب هذا التعديل إلى المعماري الفرنسي Michel Roux-Spitz، في مرحلة كانت القاهرة خلالها تستقبل تأثيرات معمارية أوروبية متعددة انعكست على شكل مباني وسط المدينة.

وهكذا لم يكن المبنى مجرد مقر لنادٍ اجتماعي، بل أصبح أيضًا شاهدًا على تطور العمارة في القاهرة خلال النصف الأول من القرن العشرين.

من كان يدخل كلوب محمد علي؟

النادي الدبلوماسي بالتحرير - وزارة الخارجية

كان «كلوب محمد علي» من الأندية الاجتماعية المرتبطة بالنخبة في القاهرة خلال عصر الملكية، وارتبطت عضويته ودوائره بالأسرة المالكة وشخصيات من صفوة المجتمع.

وكانت الأندية في تلك الفترة أكثر من مجرد أماكن للترفيه؛ فقد مثلت مساحات للاجتماعات والعلاقات الاجتماعية، وشكلت جزءًا من الحياة العامة في القاهرة خلال تلك المرحلة.

كما ارتبط النادي بالمشهد الاجتماعي الذي شهدته القاهرة آنذاك، في وقت كانت فيه المدينة تضم أندية ومؤسسات متعددة تعكس اختلاف الخلفيات الاجتماعية والسياسية والجاليات الأجنبية الموجودة فيها.

26 يناير 1952.. يوم غيّر وجه القاهرة

ثم جاءت واحدة من أكثر اللحظات اضطرابًا في تاريخ القاهرة الحديث.

في 26 يناير 1952 اندلع حريق القاهرة، وطالت النيران وأعمال التخريب عددًا من المنشآت والفنادق والمتاجر ودور السينما والمؤسسات في مناطق مختلفة من العاصمة.

وكان «كلوب محمد علي» من بين المؤسسات الراقية التي تأثرت بأحداث ذلك اليوم، لتدخل قصة المبنى مرحلة جديدة مع التغيرات السياسية التي شهدتها مصر بعد ذلك.

بعد ثورة يوليو.. اسم جديد وحياة مختلفة

مع قيام ثورة يوليو 1952، تغيرت خريطة الملكية والنفوذ في مصر، وانعكس ذلك على عدد من المؤسسات والمباني التي ارتبطت بالعصر الملكي.

وانتقلت تبعية كلوب محمد علي أولًا إلى مجلس قيادة الثورة، ثم إلى وزارة الخارجية المصرية.

وفي عام 1954 تغير اسم المكان إلى «نادي التحرير»، ليصبح الاسم الجديد انعكاسًا للمرحلة السياسية التي بدأت بعد الثورة.

وبعد عقود، وتحديدًا عام 1982، حمل المبنى اسم «النادي الدبلوماسي المصري»، وهو الاسم الذي ارتبط به في مرحلته الحديثة.

لوحات تحكي فصلًا آخر من تاريخ المكان

ولا تتوقف قيمة المبنى عند تاريخه السياسي والاجتماعي أو تصميمه المعماري، فداخله توجد أيضًا مجموعة من الأعمال الفنية التي تضيف فصلًا آخر إلى حكاية المكان.

وتضم القاعات لوحات زيتية فرنسية نادرة، من بينها أعمال ارتبطت بتاريخ كلوب محمد علي، إلى جانب لوحات كانت ضمن مقتنيات محمد محمود خليل باشا، أحد أبرز جامعي الأعمال الفنية في مصر.

وبذلك يجمع المبنى بين أكثر من طبقة من الذاكرة المصرية؛ فهناك العمارة، والتاريخ السياسي، والحياة الاجتماعية، والفنون، وكلها اجتمعت داخل المكان نفسه.

المبنى الذي تغيّر اسمه وبقي شاهدًا على القاهرة

قصة «كلوب محمد علي» تكشف جانبًا مهمًا من تاريخ وسط البلد؛ فالمبنى نفسه ظل قائمًا، بينما تغيرت مصر من حوله أكثر من مرة.

بدأ كأحد أندية النخبة في عصر الملكية، ثم أصبح «نادي التحرير» بعد ثورة يوليو، قبل أن يحمل منذ عام 1982 اسم «النادي الدبلوماسي المصري».

ثلاثة أسماء ارتبطت بثلاث مراحل مختلفة من تاريخ البلاد، بينما بقيت الواجهة شاهدة على مرور الزمن.

ولهذا فإن التجول في وسط القاهرة لا يعني فقط مشاهدة مبانٍ قديمة ذات طرز معمارية مميزة، وإنما يمكن أن يكون رحلة بين طبقات متتالية من تاريخ مصر.

فخلف كل واجهة تقريبًا قصة، وخلف كل اسم قديم حكاية عن أشخاص وأحداث ومرحلة كاملة من حياة المدينة.

ويبقى «كلوب محمد علي» واحدًا من تلك الأماكن التي تختصر في مبنى واحد رحلة القاهرة من الملكية إلى الثورة ثم الجمهورية، لتصبح العمارة نفسها جزءًا من الذاكرة، لا مجرد خلفية للمشهد.

تم نسخ الرابط