صدى الإبداع يتردد في القلعة..نسمة محجوب ووسط البلد يرويان أحلام جيل جديد
تحولت ليلة جديدة من ليالي مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء في دورته الـ34 إلى مساحة نابضة بالموسيقى والإبداع، امتزج فيها عبق المكان بأصوات تنتمي إلى الحاضر وتحمل معها مشاعر وأحلام جيل جديد.
وعلى مسرح المحكى، لم يكن الجمهور أمام حفل موسيقي عابر، بل أمام ليلة جمعت بين تنوع التجارب الموسيقية وحضور الشباب، لتؤكد أن الفن يستطيع أن يصنع جسرًا بين التاريخ واللحظة الراهنة، وأن المكان التاريخي يمكن أن يحتضن أصواتًا معاصرة دون أن يفقد خصوصيته.
نسمة محجوب.. صوت يتنقل بين عوالم موسيقية مختلفة

بدأت الأمسية مع الفنانة نسمة محجوب، التي استطاعت منذ اللحظات الأولى أن تفرض حضورها على المسرح، مستعرضة قدراتها الصوتية من خلال مجموعة متنوعة من أعمالها الخاصة إلى جانب عدد من المؤلفات الغربية.
وتنقلت نسمة بين ألوان موسيقية متعددة، مقدمة أعمالًا من بينها «يا محروسة» و«مختلفة» و«كل شمس» و«آه يا لالالي» و«الوقت يعدي» و«سالمه يا سلامة» و«وردة الصحراء» و«الناس حواديت» و«مش شاغلين بالنا» و«سهرة» و«لما بدي» و«حبيتك» و«يا غاوي هروب» و«حب اخوات» و«حكاية شعب» و«ليالي أوجيني» و«سوف أنجو» وغيرها.
وبين عمل وآخر، كشفت التجربة عن مساحة موسيقية واسعة تمتلكها الفنانة، تجمع بين الغناء العربي والتأثيرات الغربية، وتمنح صوتها قدرة على الانتقال بين أنماط مختلفة مع الحفاظ على خصوصية أدائها.
جمهور شاب يكتب حكايته مع الموسيقى

كان الحضور الشبابي أحد أبرز ملامح الليلة، حيث امتلأت أجواء «المحكى» بجمهور تفاعل مع الأغنيات والألحان، في مشهد يعكس قدرة المهرجان على الوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، وخاصة الأجيال الجديدة.
وفي هذا الحضور، بدا الفن وكأنه لغة مشتركة تجمع بين شباب يعيشون تفاصيل مختلفة، لكنهم يلتقون حول الموسيقى باعتبارها مساحة للتعبير عن مشاعرهم وأفكارهم وأحلامهم.
وسط البلد.. طاقة مختلفة على مسرح المحكى

ومع صعود فريق وسط البلد إلى المسرح، تغير إيقاع الليلة، وانتقلت الأجواء إلى مساحة أكثر حيوية وطاقة.
وقدم الفريق مجموعة من أعماله التي رسخت حضوره كتجربة موسيقية معاصرة ذات طابع خاص، من بينها «مشوار» و«هيلاهوب» و«اتكلمي» و«نفسي أحبك» و«قربي لي» و«أنتيكا» و«شمس النهار» و«الجارية» و«الليل» و«آه يا حلو» و«مجنون» وغيرها.
واستطاع الفريق من خلال اختياراته الموسيقية أن يحافظ على حالة التفاعل مع الجمهور، مقدمًا نموذجًا لتجربة موسيقية ارتبطت على مدار سنوات بموسيقى الشباب والتجديد والبحث عن أشكال مختلفة للتعبير.
حين اجتمعت نسمة محجوب مع وسط البلد

وفي واحدة من أكثر لحظات الأمسية تفاعلًا، جاءت مفاجأة فنية جمعت نسمة محجوب بفريق وسط البلد، حيث شاركت الفنانة الفريق أداء أغنية «آه يا لالالي».
المشهد لم يكن مجرد مشاركة عابرة، بل أضاف إلى الحفل حالة من التنوع الموسيقي، وجمع بين صوت منفرد وتجربة جماعية على خشبة واحدة، وسط تفاعل واضح من الجمهور.
«مشوار» يجمع وسط البلد وعبد الرحمن بلالة

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ استضاف فريق وسط البلد المغني الشعبي عبد الرحمن بلالة لأداء أغنية «مشوار».
وأضفت المشاركة لونًا مختلفًا على الحفل، لتصبح خشبة المحكى مساحة تلتقي عليها تجارب موسيقية متنوعة، من الغناء المعاصر إلى الأداء الشعبي، في إطار واحد يجمع الفنانين والجمهور.
القلعة.. التاريخ يحتضن موسيقى الحاضر
وربما كانت خصوصية هذه الليلة نابعة بالأساس من المكان. فالموسيقى التي وصلت إلى الجمهور من فوق مسرح المحكى كانت تتردد في رحاب أحد أبرز المواقع التاريخية في مصر، لتخلق صورة تجمع بين الماضي والحاضر.
فالقلعة التي شهدت أحداثًا وتحولات على مدار قرون، أصبحت في هذه الليلة مسرحًا لأغنيات تعبر عن جيل يعيش زمنًا مختلفًا، بينما ظل المكان محتفظًا بذاكرته وهيبته.
وهنا تظهر واحدة من أهم سمات مهرجان القلعة، وهي قدرته على تقديم الموسيقى داخل فضاء تاريخي يجعل الحفل تجربة تتجاوز حدود الاستماع إلى الأغنية، لتشمل المكان والذاكرة والجمهور.
الفن للجميع

وتأتي هذه الأمسية ضمن فعاليات مهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء في دورته الرابعة والثلاثين، الذي تنظمه دار الأوبرا المصرية بالتعاون مع هيئة تنشيط السياحة، بما يتيح للجمهور فرصة الاستمتاع بمجموعة متنوعة من التجارب الموسيقية في موقع تاريخي.
وتعكس ليالي المهرجان توجهًا نحو الوصول بالفنون إلى جمهور واسع من مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، مع تقديم أنماط موسيقية متعددة تجمع بين التجارب المعاصرة والألوان الغنائية المختلفة.
ليلة تؤكد أن الموسيقى لا تعرف حدودًا
ومع ختام الحفل، ظل «المحكى» محتفظًا بأصداء الأغنيات التي جمعت نسمة محجوب ووسط البلد وعبد الرحمن بلالة في ليلة واحدة.
وبين صوت يروي مشاعره، وفريق يعبر عن أحلام جيل، ومكان يحمل ذاكرة مدينة بأكملها، قدمت الأمسية صورة واضحة عن قدرة الفن على صناعة حالة مشتركة بين الماضي والحاضر.
وهكذا واصلت ليالي القلعة تقديم موعدها المتجدد مع الموسيقى، مؤكدة أن التاريخ لا يعني الجمود، وأن الأماكن العريقة يمكن أن تصبح مساحات حية للإبداع، حين تفتح أبوابها أمام أصوات جديدة وجمهور يبحث عن الموسيقى التي تشبهه وتعبر عن زمنه.




