رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

سيدة الجبل الغربي.. لوحة نذرية تكشف أسرار عبادة حتحور وطقوسها المقدسة

Go Egypia

 

تكشف اللوحات الأثرية المصرية القديمة عن جوانب متعددة من الحياة الدينية والطقسية، ولا تقتصر أهميتها على تسجيل أسماء الأشخاص أو المعبودات، وإنما تمتد إلى توثيق الممارسات والشعائر والرموز التي ارتبطت بالمعتقدات المصرية القديمة.

ومن بين هذه القطع لوحة نذرية لكاهنة حتحور، محفوظة حاليًا في متحف الإسماعيلية تحت رقم التسجيل 2526، وتُعرض ضمن معرض «بوابة مصر الشرقية» بالمتحف المصري بالتحرير، وهي لوحة من الحجر الجيري الملون ذات قمة مقوسة، ترجع إلى العصر المتأخر والعصر البطلمي، خلال الفترة من 664 إلى 30 ق.م.

قرص الشمس المجنح وصيغة تقديم القرابين

ينتهي الجزء العلوي من اللوحة بزخرفة قرص الشمس المجنح، وهو أحد الرموز ذات الدلالات الوقائية في الفن المصري القديم، وارتبط بالملكية وبعدد من المعبودات.

ويلي هذا العنصر سجل نصي يتكون من ثلاثة أسطر أفقية، يتضمن صيغة لتقديم القرابين، في إطار يؤكد الطبيعة الدينية والطقسية للقطعة.

ويحمل السجل النصي العلوي عبارة:

dd mdw in ḥm.t-nṯr n Ḥwt-Ḥr

بمعنى: «كلام يُقال بواسطة كاهنة حتحور».

وتكتسب هذه العبارة أهمية خاصة في قراءة المشهد، إذ تشير بصورة مباشرة إلى الوظيفة الكهنوتية للشخصية المصورة، وإلى ارتباطها بعبادة المعبودة حتحور.

كاهنة حتحور تحمل السيستروم والمنات

May be an image of text

يصور الجانب الأيمن من اللوحة سيدة في هيئة كاهنة، ترتدي ثوبًا أبيض طويلًا من الكتان، إلى جانب باروكة شعر مستعار ومنديل للرأس، في هيئة تتناسب مع السياق الطقسي للمشهد.

وتحمل الكاهنة في يدها اليسرى سيستروم مقوسًا، بينما تمسك في يدها اليمنى عقد المنات، وهما من الأدوات المرتبطة بالموسيقى والطقوس الدينية، وكان لهما حضور بارز في عبادة المعبودة حتحور.

ولم تكن هذه الأدوات مجرد وسائل لإحداث الصوت أو عناصر زخرفية، بل حملت دلالات دينية ورمزية ارتبطت بطبيعة الطقس والمعبودة التي تُقام الشعائر من أجلها.

رموز طقسية أمام الكاهنة

ويضم المشهد أمام الكاهنة مجموعة من العناصر الطقسية، من بينها سيستروم ضخم مقدم كقربان، إلى جانب مبخرة موضوعة على قاعدة، بما يعكس حضور البخور والآلات الطقسية ضمن ممارسات العبادة.

كما تظهر قاعدتان تعلو كل منهما هيئة غزال، وهو عنصر يرتبط في السياق الديني بالمعبودة حتحور، خاصة في ارتباطها بالصحراء الغربية وطبيعتها المقدسة.

وتكشف هذه العناصر مجتمعة عن مشهد يتجاوز مجرد تصوير شخصية دينية، ليقدم تسجيلًا بصريًا لفعل طقسي متكامل، تتداخل فيه الموسيقى والبخور والقرابين والرموز المقدسة.

السيستروم.. صوت لمواجهة الفوضى

وتمنح دراسة أدوات الطقس الموسيقية في مصر القديمة بعدًا إضافيًا لفهم المشهد. فبحسب ما أشير إليه في الدراسات الحديثة، ارتبط صوت السيستروم في بعض الطقوس بمواجهة قوى الفوضى، أو «إسفت»، وباسترضاء حتحور ضمن طقوس ارتبطت بمفهوم «تهدئة الغاضبة».

ومن هذا المنظور، يصبح السيستروم أكثر من مجرد آلة إيقاعية، إذ يتحول صوته داخل الطقس إلى وسيلة ذات وظيفة دينية ورمزية، مرتبطة بالحفاظ على التوازن وتهدئة المعبودة واستعادة الانسجام.

أما المنات، فقد ارتبط بدلالات متعددة، من بينها التجديد والخصوبة والحماية، وهو ما يضيف إلى المشهد طبقة أخرى من المعاني المرتبطة بطبيعة عبادة حتحور ومكانتها في العقيدة المصرية القديمة.

اللوحة.. ذاكرة طقسية تمتد إلى الأبد

وتكشف اللوحة في مجملها عن العلاقة الوثيقة بين الفن والعبادة في مصر القديمة؛ فتصوير الكاهنة وهي تؤدي الفعل الطقسي لم يكن مجرد تسجيل لمشهد ديني، وإنما كان يحمل وظيفة رمزية تتصل باستمرار الطقس والذكرى.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة اللوحة باعتبارها وثيقة طقسية تسجل هوية صاحبتها ووظيفتها الدينية، وتربط صورتها بالفعل التعبدي الذي أرادت أن يستمر في ذاكرتها حتى بعد وفاتها.

وهكذا يتحول المشهد المنقوش على الحجر إلى وسيلة للحفاظ على حضور الكاهنة داخل العالم الديني، من خلال تصويرها وهي تؤدي طقسها أمام المعبودة حتحور، بما يعكس أحد المفاهيم الأساسية في الفن الجنائزي والديني المصري القديم، وهو ضمان استمرار الفعل والذكرى عبر الصورة والنص.

وتقدم لوحة كاهنة حتحور، المحفوظة برقم 2526 بمتحف الإسماعيلية والمعروضة ضمن معرض «بوابة مصر الشرقية» بالمتحف المصري بالتحرير، نموذجًا غنيًا لتداخل النص والصورة والرمز في القطعة الأثرية المصرية، كما تلقي الضوء على أهمية الموسيقى والأدوات الطقسية في الممارسات الدينية، وعلى المكانة التي احتلتها حتحور في المنظومة العقائدية المصرية القديمة.

تم نسخ الرابط