رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

طبخ مصر القديمة في متحف الغردقة.. كيف كان المصريون يجهزون طعامهم قبل آلاف السن

 

في زاوية لافتة داخل متحف الغردقة، لا تتوقف الحكاية عند التماثيل والمجوهرات والقطع الأثرية الشهيرة، وإنما تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم، من بينها المطبخ وأدوات إعداد الطعام، في مشهد يعيد رسم جانب من الحياة المنزلية التي عاشها المصريون منذ آلاف السنين.

وتقدم إحدى الفاترينات بالمتحف نموذجًا للمطبخ المصري القديم، بما يضمه من أدوات وأوانٍ تكشف كيف تعامل المصري القديم مع الطعام والخبز والتخزين، وتوضح في الوقت نفسه مدى ارتباط تفاصيل المنزل بالبيئة والموارد الطبيعية المتاحة حوله.

«وعبت».. مطبخ المصري القديم

Hurghada Museum entrance ticket in Hurghada | Pelago

ويشير أحمد الجندي، المشرف العام على متحف الغردقة، إلى أن المطبخ كان أحد العناصر المعمارية الرئيسية في المنزل المصري القديم، وكان المصريون القدماء يطلقون عليه اسم «وعبت».

ولم يكن المطبخ مجرد مساحة لإعداد الطعام، بل كان جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية داخل المنزل، إذ احتوى عادةً على مجموعة متنوعة من الأدوات التي تلبي احتياجات الأسرة، من إعداد الطعام إلى الخَبز والحفظ والتخزين.

أوانٍ وسكاكين وأفران

وضمت المطابخ المصرية القديمة أنواعًا مختلفة من الأواني الفخارية التي استخدمت في إعداد الطعام وحفظه، إلى جانب سكاكين مصنوعة من الظران، كما عُرفت وسائل مختلفة لإعداد الطعام والخبز.

ومن بين العناصر التي ارتبطت بالمطبخ وجود التنور لإعداد الطعام والفرن المخصص للخبز، فضلًا عن السلال التي استخدمت في حفظ بعض احتياجات المطبخ الأساسية.

وتكشف هذه الأدوات، رغم بساطتها، عن جانب مهم من الحياة اليومية للمصري القديم، بعيدًا عن عالم الملوك والمعابد والمقابر، إذ تساعد القطع المنزلية في فهم طبيعة المعيشة والعادات الغذائية والصناعات التي اعتمد عليها المجتمع.

نخيل الدوم.. شجرة من قلب البيئة المصرية

Hurghada Museum - Book Your Tickets

ومن التفاصيل اللافتة المرتبطة بالحياة اليومية أيضًا نخيل الدوم، الذي كان من الأشجار المتوطنة في البيئة المصرية، ونما على أطراف الصحراء وفي الحدائق والحقول.

واستفاد المصريون القدماء من أجزاء متعددة من شجرة الدوم؛ فاستخدموا جذوعها الطويلة كدعامات لأسقف المنازل، بينما استُخدمت السعف في صناعة السلال والحصر والأطباق، كما دخلت أليافها في صناعة الحبال.

وهكذا لم يكن الدوم مجرد شجرة تنمو في البيئة المصرية، وإنما كان مصدرًا لمواد تدخل في تفاصيل متعددة من الحياة اليومية، بداية من البناء ووصولًا إلى أدوات الاستخدام المنزلي.

الدوم.. ثمرة محببة للمصري القديم

ولم تقتصر أهمية الدوم على استخدام أجزاء الشجرة في الصناعات المختلفة، فقد كانت ثمار الدوم من الثمار المحببة لدى المصريين القدماء، لما تتميز به من مذاق حلو، كما ارتبطت باستخدامات وفوائد طبية في مصر القديمة.

وعُثر على ثمار دوم جافة ضمن الأثاث الجنائزي في عدد من المقابر المصرية القديمة، كما ظهرت أشجار الدوم إلى جانب نخيل البلح في مناظر المقابر، ضمن التصوير الذي وثّق البيئة والنباتات والحياة الطبيعية في مصر القديمة.

وتمنح هذه المناظر الباحثين والزائرين صورة أكثر اكتمالًا عن العلاقة التي ربطت المصري القديم بالبيئة المحيطة به، وكيف تحولت النباتات والأشجار إلى مصادر للغذاء والمواد الخام وأدوات الحياة اليومية.

السلال.. صناعة مصرية قديمة

Хлеб из древнеегипетских дрожжей, которым 4500 лет в обед. - 25.08.19 18:19 | Пикабу

وتعد صناعة السلال من الصناعات التي تمتد جذورها إلى عصور شديدة القدم في مصر، إذ تعود أقدم النماذج المعروفة من السلال إلى حضارة الفيوم «أ» التي ترجع إلى نحو 6000 قبل الميلاد.

واعتمد صناع السلال على المواد النباتية المتوافرة في البيئة المصرية، ومنها ألياف البردي والبوص وسعف نخيل الدوم ونخيل البلح، إلى جانب أعواد الحلفا والسمار.

وتنوعت السلال من حيث الشكل والحجم وطريقة نسج الجدائل، بحسب الغرض الذي صنعت من أجله، ولم تقتصر صناعتها على الجانب الوظيفي، إذ أضيفت إليها أحيانًا وحدات زخرفية باستخدام الجدائل الملونة أو الألوان الزاهية، لتجمع بين الوظيفة والجمال.

المطبخ.. نافذة على الحياة اليومية

وتكشف فاترينات المطبخ في متحف الغردقة أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تتوقف عند الملوك والآلهة والنقوش الضخمة، وإنما تمتد إلى التفاصيل الصغيرة التي صنعت الحياة اليومية؛ فالإبريق والوعاء والسلة والفرن وأداة القطع، كلها عناصر تساعد في الاقتراب من حياة المصري القديم كما عاشها بالفعل.

ومن خلال هذه الأدوات يمكن تصور مشهد المنزل المصري القديم: طعام يُجهز، وخبز يُخبز، وأوانٍ تُستخدم للحفظ، وسلال تحمل احتياجات الأسرة، فيما تستفيد الأسرة من موارد البيئة المحيطة بها، وعلى رأسها النباتات والأشجار التي عرف المصري القديم كيف يوظفها بمهارة.

وهنا تكمن قيمة عرض نموذج المطبخ داخل المتحف؛ فهو لا يقدم مجرد مجموعة من الأدوات، وإنما يحول القطع الأثرية إلى مشهد من الحياة، ويمنح الزائر فرصة للتعرف على الإنسان المصري القديم في تفاصيله اليومية، بعيدًا عن الصورة التقليدية التي تحصر الحضارة المصرية في الأهرامات والمعابد والمقابر.

فالحضارة التي بنت المعابد الكبرى وشيدت المقابر الملكية كانت أيضًا حضارة تعرف كيف تطهو طعامها، وتخبز خبزها، وتحفظ احتياجاتها، وتصنع سلالها وحصرها وأدواتها من موارد البيئة، لتبقى تفاصيل المطبخ المصري القديم واحدة من أبسط وأكثر النوافذ صدقًا على حياة المصريين منذ آلاف السنين.

تم نسخ الرابط