رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لغة بصرية خفية.. أسرار المشاهد أسفل الكراسي في المقابر الفرعونية

Go Egypia

 

عند تأمل مناظر الحياة اليومية التي تركها المصري القديم على جدران المقابر، قد تبدو بعض التفاصيل للوهلة الأولى بسيطة أو هامشية، إلا أن التدقيق فيها يكشف عن عالم واسع من الرموز والدلالات. ومن بين هذه التفاصيل ما يظهر أسفل الكراسي التي يجلس عليها أصحاب المقابر وزوجاتهم، حيث لم تكن المساحة الموجودة أسفل المقعد تُترك دائمًا خالية.

وفي عدد كبير من المناظر، وضع الفنان المصري القديم مجموعة متنوعة من العناصر أسفل الكراسي أو بالقرب منها، شملت حيوانات وأغراضًا شخصية وأدوات منزلية وزينة، لتصبح هذه المساحة الصغيرة جزءًا من المشهد الذي يوثق جوانب مختلفة من حياة المصريين ومعتقداتهم.

حيوانات أليفة أسفل الكراسي

May be an image of text

تكشف دراسة لأكثر من مائة منظر من المقابر الخاصة عن ظهور مجموعة متنوعة من الحيوانات أسفل الكراسي، من بينها الكلاب والقرود والقطط والإوز والغزلان والوعول.

ولم تكن هذه الحيوانات بالضرورة مجرد عناصر زخرفية، إذ ارتبط بعضها بالحياة اليومية لأصحاب المقابر، وربما كانت حيوانات أليفة تعيش معهم وتحظى بمكانة خاصة، بل تشير بعض الأدلة إلى أن بعض الحيوانات كانت تحمل أسماء، بما يعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان والحيوان في المجتمع المصري القديم.

وفي الوقت نفسه، يمكن أن تحمل الحيوانات دلالات رمزية تختلف بحسب سياق المشهد والشخص المصور ومكان ظهور الحيوان، وهو ما يجعل تفسير هذه المناظر أكثر تعقيدًا من مجرد اعتبارها تصويرًا للحيوانات الأليفة.

مشهد الملكة تي يثير التساؤلات

No photo description available.

ومن أشهر الأمثلة على هذه المناظر المشهد الموجود أسفل كرسي الملكة «تي» في مقبرة «عنن» رقم TT120، حيث يظهر قرد يقفز فوق إوزة، بينما تظهر قطتان في مشهد متداخل.

ويكتسب هذا المشهد أهمية خاصة بسبب مكانة الملكة تي والسياق الذي ظهرت فيه الصورة. ووفقًا لما يشير إليه متحف المتروبوليتان للفنون، يمكن أن يتجاوز المشهد فكرة تصوير الحيوانات المحبوبة، ليحمل إشارات محتملة مرتبطة بالخصوبة والأمومة، إلى جانب الدور الملكي للملكة بوصفها زوجة للملك.

وهنا يظهر جانب مهم من الفن المصري القديم، إذ لم يكن الفنان يعتمد دائمًا على الكتابة لتوصيل المعنى، وإنما كان يوظف الأشخاص والحيوانات والأشياء داخل المشهد باعتبارها عناصر تحمل رسائل ودلالات.

الأشياء الشخصية تظهر أيضًا

No photo description available.

ولم تقتصر العناصر الموجودة أسفل الكراسي على الحيوانات، إذ ظهرت كذلك مجموعة كبيرة من الأشياء المرتبطة بالحياة اليومية، ومنها الصناديق والمرايا والأواني وأدوات الزينة والكتابة والزهور والصنادل ومساند الرأس، إلى جانب لعبة «السنت».

وتختلف دلالة هذه الأشياء بحسب طبيعة صاحب المقبرة والسياق الذي ظهرت فيه. فقد تكون بعض العناصر مرتبطة بمهنة الشخص أو مكانته الاجتماعية، بينما يمكن أن تكون عناصر أخرى مرتبطة باحتياجاته الشخصية واليومية.

كما أن تصوير بعض الأدوات داخل المقبرة ربما كان يحمل تصورًا يتجاوز مجرد توثيق الحياة اليومية، إذ كان المصري القديم يولي أهمية كبيرة لما يحتاج إليه المتوفى في العالم الآخر، وبالتالي كان تصوير الأشياء يمكن أن يرتبط بفكرة استمرار استخدامها أو توفيرها للمتوفى بصورة رمزية.

الفن المصري القديم لا يعتمد على المنظور الحديث

May be a doodle of text that says 'Detail of f line drawing showing the probable configuration of the heads of the duck and the cat?'

ومن النقاط المهمة عند قراءة هذه المناظر ضرورة عدم تفسير موقع العناصر وفق مفهوم المنظور الحديث.

فبعض الأشياء التي تبدو للعين المعاصرة وكأنها موضوعة «تحت الكرسي» ربما كان الفنان يقصد تصويرها بجوار الشخص الجالس، إلا أن قواعد التمثيل ثنائي الأبعاد في الفن المصري القديم وطريقة تنظيم العناصر على سطح واحد جعلتها تظهر في موضع يبدو لنا اليوم أسفل المقعد.

ولهذا فإن قراءة هذه المناظر تحتاج إلى دراسة السياق الكامل للصورة، وليس الاعتماد على الموقع المكاني للعنصر وحده.

تفاصيل صغيرة تكشف حياة المصري القديم

No photo description available.

وتمنح هذه المشاهد الباحثين فرصة للتعرف على تفاصيل دقيقة من الحياة اليومية في مصر القديمة، بدءًا من الحيوانات التي كانت تعيش بالقرب من أصحابها، مرورًا بالأدوات الشخصية وأغراض الزينة، وصولًا إلى الألعاب والأواني ومستلزمات الحياة المختلفة.

كما تكشف هذه العناصر عن جوانب تتعلق بالعلاقات الأسرية والمكانة الاجتماعية والمعتقدات والطقوس، وتوضح كيف استطاع الفنان المصري القديم تحويل مشاهد الحياة اليومية إلى جزء من منظومة فنية ودينية متكاملة.

أسفل الكرسي.. مساحة مليئة بالمعاني

May be an image of the Great Sphinx of Giza and text

وبذلك، فإن ما يبدو في البداية مجرد مساحة صغيرة أسفل كرسي داخل أحد مناظر المقابر، يمكن أن يتحول عند دراسته إلى مصدر مهم لفهم المجتمع المصري القديم.

فالكلب أو القطة أو القرد أو الإوزة، وكذلك المرآة أو الصندوق أو أداة الزينة، لم تكن بالضرورة عناصر عشوائية، وإنما جاءت ضمن مشهد له سياقه الخاص، وقد تحمل دلالات تتعلق بحياة صاحب المقبرة أو أسرته أو مكانته أو تصوراته عن العالم الآخر.

وتؤكد هذه التفاصيل أن الفن المصري القديم لم يكن مجرد تسجيل بصري للأشخاص والأشياء، بل كان لغة متكاملة استخدم فيها الفنان كل عنصر تقريبًا لتقديم صورة عن الإنسان وحياته ومعتقداته.

ومن هنا، فإن النظر إلى ما يوجد أسفل الكراسي في مناظر المقابر المصرية القديمة يفتح نافذة مختلفة على الحضارة المصرية، ويكشف أن التفاصيل التي قد تبدو صغيرة أو ثانوية يمكن أن تحمل في داخلها قصصًا عن الأسرة والحياة اليومية والحيوانات والمكانة الاجتماعية والمعتقدات التي شكلت عالم المصري القديم.

No photo description available.
تم نسخ الرابط