سهام سهري: «المرمم يجب أن يكون حاضرًا قبل أن تبدأ المفاجأة»
منذ نحو 19 عامًا، اختارت سهام سهري أن تجعل من ترميم الآثار مسارًا مهنيًا وعلميًا، بدأ من الأقصر، المدينة التي يتداخل فيها التاريخ مع تفاصيل الحياة اليومية، واستمر عبر مواقع ومشروعات أثرية متعددة وصولًا إلى العمل ضمن فريق بعثة مؤسسة زاهي حواس والبعثة المشتركة مع المجلس الأعلى للآثار.
وبين لحظة الكشف عن الأثر والقرار العلمي الخاص بكيفية حمايته، ترى سهام سهري، أخصائية الترميم بمتحف الأقصر وعضو فريق عمل موقع بعثة مؤسسة زاهي حواس والبعثة المشتركة مع المجلس الأعلى للآثار، أن مهمة المرمم لا تقتصر على معالجة التلف، وإنما تبدأ من فهم المادة الأثرية وسياقها والحفاظ على التفاصيل التي قد تحمل في المستقبل مفاتيح جديدة لقراءة التاريخ.
وتؤكد سهري أن لحظة اكتشاف الأثر ليست نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة شديدة الحساسية، مشددة على ضرورة وجود المرمم داخل البعثة منذ المراحل الأولى للكشف، إلى جانب الأثريين والباحثين والمتخصصين في التوثيق والدراسة.
وفي حوار خاص، تكشف سهام سهري كواليس تجربتها في العمل الميداني، وأهمية الترميم في حماية مكتشفات البعثة، وكيف يمكن لتفصيلة صغيرة في قطعة أثرية أن تتحول إلى دليل مهم لفهم تاريخ الموقع، ولماذا لا يُقاس نجاح البعثات الأثرية بعدد القطع المكتشفة فقط.

كيف بدأتِ رحلتك مع ترميم الآثار؟
بدأت رحلتي مع ترميم الآثار منذ سنوات الدراسة الأولى، وربما كان اختيار هذا المجال امتدادًا طبيعيًا للبيئة التي نشأت فيها في الأقصر، تلك المدينة التي يعيش فيها الإنسان وسط التاريخ ويتعامل مع الأثر باعتباره جزءًا من الحياة اليومية وليس مجرد صفحات في كتاب. كما أن نشأتي في أسرة محبة للآثار والسياحة كان لها تأثير كبير في تشكيل هذا الارتباط.
حصلت على ليسانس الآثار ثم درجة الماجستير في ترميم الآثار، وحاليًا أنا باحثة دكتوراه في مجال الترميم.
لكن اللحظة التي تأكدت فيها أن الترميم هو المجال الذي أريد أن أبني فيه مستقبلي لم تكن موقفًا واحدًا، بقدر ما كانت نتيجة تراكم سنوات من العمل. عندما تبدأ في لمس الأثر وفهم مادته ومشكلاته، ثم ترى كيف يمكن لتدخل علمي دقيق أن يحافظ على جزء من تاريخه ويمنع فقدانه، تدرك أن المرمم لا يصلح مادة فقط، وإنما يحافظ على شاهد من شواهد الحضارة الإنسانية.
ومع مرور نحو 19 عامًا في المجال، والعمل على آثار من عصور ومواد ومواقع مختلفة، أصبح الترميم بالنسبة لي أكثر من مجرد وظيفة؛ أصبح مسؤولية وشغفًا ومجالًا أطمح من خلاله أيضًا إلى نقل خبرتي إلى الأجيال الجديدة من المرممين.
كيف وصلتِ إلى العمل ضمن فريق بعثة مؤسسة زاهي حواس؟
أعتقد أن الأدق أن أصفها بأنها نتيجة مسار مهني طويل، وليس مجرد فرصة منفصلة. العمل مع البعثات الأثرية يحتاج إلى خبرة ميدانية وتراكم في التعامل مع أنواع مختلفة من الآثار والمواد، إلى جانب القدرة على العمل ضمن فريق متعدد التخصصات.
خلال سنوات عملي في وزارة السياحة والآثار، عملت في مواقع ومؤسسات أثرية متنوعة، كما شاركت في عدد من المشروعات والبعثات المصرية والأجنبية، من بينها البعثة الإسبانية في دراع أبو النجا، ومشروع طريق الكباش، ومعبد دندرة. ثم بدأت العمل مع البعثة المصرية في موقع شمال هابو بالمدينة الذهبية منذ عام 2020 وما زلت ضمن فريق العمل.
لذلك أرى أن الوصول إلى أي بعثة هو في النهاية حصيلة ما يبنيه المرمم خلال سنوات عمله: خبرته، قدرته على تحمل مسؤولية الأثر، التزامه العلمي، وقدرته على التعاون مع باقي أعضاء الفريق.
ماذا شعرتِ عند التعامل مع آثار خرجت من الأرض بعد آلاف السنين؟
في مثل هذه المواقع يكون الشعور مزيجًا بين الدهشة والمسؤولية. الدهشة لأنك تقف أمام مادة أثرية ظلت محفوظة أو مدفونة لآلاف السنين، ثم أصبحت فجأة معرضة لظروف جديدة بمجرد الكشف عنها.
لكن الشعور بالمسؤولية يكون أقوى؛ لأن لحظة الكشف ليست نهاية رحلة الأثر، وإنما بداية مرحلة دقيقة جدًا. فالأثر الذي كان مستقرًا في بيئته لفترات طويلة قد يتعرض بعد الكشف لتغيرات في الحرارة والرطوبة والضوء والهواء، وقد تظهر عليه مظاهر تلف لم تكن واضحة من قبل.
وهنا يأتي دور المرمم؛ أن يتعامل مع الأثر بهدوء وعلم، وأن يدرس حالته قبل اتخاذ أي قرار، لأن أي تدخل غير محسوب قد يؤدي إلى فقدان جزء من المعلومات التي يحملها الأثر.
ما الذي يترك أثرًا شخصيًا لديكِ خلال العمل؟
أكثر ما يترك أثرًا في نفسي ليس بالضرورة قطعة بعينها، وإنما اللحظات التي تشعرين فيها أن تدخلك ساهم في إنقاذ تفصيلة أثرية كانت مهددة بالفقد.
المرمم يتعامل مع تفاصيل قد تبدو صغيرة جدًا بالنسبة لغير المتخصص، لكنها بالنسبة لنا قد تكون جزءًا من هوية الأثر أو مفتاحًا لفهم تقنية صناعية أو استخدام معين أو مرحلة تاريخية.
وهذا الإحساس تكرر معي خلال سنوات العمل على مواد مختلفة، وهو أحد الأسباب التي جعلتني أتمسك بالمهنة. فعندما تنجح في تثبيت لون ضعيف، أو تدعيم مادة هشة، أو الحفاظ على جزء دقيق من سطح أثري كان معرضًا للتلف، تشعر أنك لم تحفظ مادة فقط، بل حفظت معلومة للأجيال القادمة.
وربما لهذا السبب اخترت أيضًا أن يكون بحثي الأكاديمي مرتبطًا بمشكلة حقيقية من مشكلات حفظ الآثار، حيث تناولت في رسالة الماجستير تقييم حالة الأخشاب الأثرية الملونة وطرق علاجها، ونشرت بحثًا دوليًا في مجال تدعيم الأخشاب الملونة.
ماذا أضافت لكِ تجربة العمل في البعثة؟
أضافت لي تجربة العمل في البعثات الكثير على المستوى الإنساني قبل المهني. العمل في موقع أثري يعلمك الصبر والانضباط والدقة، ويجعلك تدرك أن النتائج المهمة لا تأتي دائمًا بسرعة، وأن كل خطوة يجب أن تكون محسوبة.
كما أن العمل مع متخصصين من خلفيات مختلفة يجعلك أكثر قدرة على الاستماع وتقبل الرأي الآخر، لأن الأثر في النهاية لا يخص تخصصًا واحدًا؛ هو منظومة متكاملة تحتاج إلى الأثري والمرمم والباحث والموثق وغيرهم.
وأعتقد أن التجربة غيّرت نظرتي للترميم من كونه تخصصًا تقنيًا إلى كونه مسؤولية إنسانية وعلمية. نحن لا نعمل فقط من أجل أن يبدو الأثر جميلًا، وإنما من أجل أن يبقى قادرًا على نقل معلوماته وقيمته إلى المستقبل.

لماذا أصبح وجود المرمم داخل البعثة ضرورة منذ لحظة الكشف؟
وجود المرمم داخل البعثة منذ مراحل العمل الأولى أصبح ضرورة، وليس رفاهية أو مرحلة تأتي بعد انتهاء الحفائر.
بمجرد الكشف عن أي مادة أثرية تبدأ مرحلة جديدة من تاريخها؛ فالخشب أو المعدن أو النسيج أو الحجر أو بقايا المواد الملونة قد تكون شديدة الحساسية للبيئة الجديدة التي أصبحت موجودة فيها.
لذلك يجب أن يكون المرمم حاضرًا أثناء الكشف والتعامل الأولي مع المكتشفات، حتى يتمكن من تقييم حالتها وتحديد إجراءات الحماية والتثبيت والتوثيق المناسبة.
كما أن المرمم لا يعمل بمعزل عن الأثري. حالة المادة نفسها قد تحمل معلومات تساعد على فهم الأثر، وبالتالي فإن وجود المرمم ضمن فريق الاكتشاف يساهم في حماية الدليل المادي وفي الوقت نفسه في قراءته بشكل أكثر دقة.
ومن واقع خبرتي في التعامل مع مواد أثرية متنوعة، أرى أن أفضل نتائج الترميم تبدأ من الموقع نفسه، وليس بعد انتهاء العمل الميداني.
هل يمكن أن تعيد اكتشافات المنطقة قراءة بعض جوانب تاريخها؟
أعتقد أن القيمة الحقيقية لهذه المواقع لا تكمن فقط في عدد القطع التي يمكن العثور عليها، وإنما في السياق الأثري المتكامل الذي تكشفه أعمال البعثة.
كل كشف جديد يمكن أن يضيف معلومة إلى الصورة التي نعرفها عن المنطقة، سواء فيما يتعلق بطبيعة استخدامها، أو النشاط الذي كان يتم فيها، أو العلاقات بين المنشآت والمناطق المحيطة بها.
لكنني، بصفتي مرممة، أتعامل مع هذه المسألة من زاوية مختلفة قليلًا؛ فالمادة الأثرية نفسها وسياق العثور عليها وحالتها يمكن أن تقدم معلومات لا تظهر إذا تعاملنا معها باعتبارها مجرد «قطعة» منفصلة.
ولهذا فإنني أتحفظ دائمًا على إطلاق أحكام نهائية قبل اكتمال أعمال الحفائر والتوثيق والدراسة العلمية. بعض النتائج قد تؤدي بالفعل إلى إعادة قراءة جوانب من تاريخ الموقع، لكن هذه القراءة يجب أن تستند إلى الأدلة التي تقدمها البعثة كاملة، وليس إلى كشف منفرد.
كيف يتم اتخاذ القرار عند وجود أثر يحتاج إلى تدخل عاجل؟
العمل داخل البعثة قائم أساسًا على التكامل بين التخصصات. الأثري يتعامل مع السياق والاكتشاف، والمرمم يقيّم الحالة المادية واحتياجات الحماية والتثبيت، بينما يساهم المتخصصون الآخرون في التوثيق والتحليل والدراسة، كلٌ في نطاق تخصصه.
وعند ظهور حالة تحتاج إلى تدخل عاجل، تكون الأولوية الأولى هي تأمين الأثر ومنع استمرار التلف، مع توثيق حالته قبل وأثناء التدخل قدر الإمكان.
أما القرار النهائي فلا ينبغي أن يكون قرارًا فرديًا للمرمم أو لأي عضو آخر بمعزل عن منظومة العمل. القرارات تُتخذ وفق الهيكل العلمي والإداري للبعثة والجهات الأثرية المختصة، وبناءً على تقييم الحالة وتوصيات المتخصصين.
وهذا من أهم دروس العمل الميداني: المرمم صاحب قرار علمي في نطاق تخصصه، لكنه يعمل داخل منظومة متكاملة، وليس بمعزل عنها.
ما أصعب التحديات التي تواجه المرمم في الموقع؟
من أكبر التحديات التي تواجه المرمم في الموقع أن حالة الأثر لا تكون دائمًا متوقعة، خصوصًا عندما تكون المادة قد ظلت لفترات طويلة في بيئة معينة ثم تتعرض فجأة لظروف جديدة بعد الكشف.
التحدي الحقيقي هنا هو تحقيق التوازن بين سرعة التدخل وضرورة عدم التسرع. فليس كل أثر يحتاج إلى تدخل كبير، وأحيانًا يكون أفضل قرار هو الحماية المؤقتة والمراقبة والتوثيق إلى أن تتضح طبيعة المشكلة.
وهذه نقطة أؤمن بها بشدة في الترميم: ليس الهدف أن نتدخل في الأثر بأكبر قدر ممكن، وإنما أن نتدخل بالقدر الضروري فقط.
والخبرة الميدانية الطويلة علمتني أن الحلول الجيدة ليست دائمًا الحلول الأكثر تعقيدًا؛ أحيانًا يكون القرار العلمي الصحيح هو أبسط تدخل ممكن، بشرط أن يكون قائمًا على فهم دقيق لحالة الأثر ومواد صناعته وعوامل التلف المحيطة به.
ماذا تنتظرين من المواسم المقبلة؟
في العمل الأثري من الصعب أن نضع سقفًا لما يمكن أن تكشفه المواسم المقبلة، خصوصًا في منطقة غنية بهذا القدر من التاريخ. ما نكتشفه اليوم قد يقودنا إلى أسئلة جديدة، وهذه الأسئلة بدورها قد توجه العمل إلى اكتشافات أو معلومات لم تكن متوقعة.
لكنني أعتقد أن نجاح المواسم المقبلة لا يجب أن يُقاس فقط بعدد الاكتشافات. بالنسبة لي كمرممة، نجاح الموسم يعني أيضًا أن ما تم الكشف عنه تم توثيقه وحمايته والحفاظ عليه بطريقة صحيحة.
أتطلع في المواسم المقبلة إلى أن نتمكن من فهم الصورة الأوسع للموقع، وأن تزداد معرفتنا بالسياق التاريخي والأثري من خلال العمل المشترك بين جميع التخصصات.
وفي النهاية، أهم ما يمكن أن يتركه المرمم ليس فقط أثرًا تم إنقاذه اليوم، وإنما أثرًا محفوظًا يستطيع الباحث في المستقبل أن يدرسه ويستخرج منه معلومات جديدة لم نكن نحن أنفسنا نعرفها بعد.
- # سهام سهري
- # أخصائية ترميم
- # ترميم الآثار
- # بعثة مؤسسة زاهي حواس
- # بعثة زاهي حواس
- # المجلس الأعلى للآثار
- # شمال هابو
- # وادي العلامات
- # قرنة مرعي
- # المدينة الذهبية
- # آثار الأقصر
- # الآثار المصرية
- # اكتشافات آثرية
- # الحفائر الأثرية
- # ترميم المكتشفات الأثرية
- # حفظ الآثار
- # المرمم الأثري
- # البعثات الأثرية
- # ترميم الأخشاب الأثرية
- # الترميم الوقائي
- # التوثيق الأثري
- # السياق الأثري
- # تاريخ الأقصر
- # علماء الآثار
- # العمل الأثري
- # اكتشافات شمال هابو