رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

زودياك دندرة.. قصة السقف المصري الذي نُزع من معبد حتحور ووصل إلى متحف اللوفر

Go Egypia

 

 

على مدار قرون طويلة، ظل معبد حتحور في دندرة شاهدًا على عظمة الحضارة المصرية القديمة، بما يحمله من نقوش ومناظر فلكية وعقائدية فريدة، لكن واحدة من أهم القطع المرتبطة بالمعبد لم تعد موجودة في موضعها الأصلي؛ إنها زودياك دندرة، ذلك النقش الفلكي الشهير الذي أصبح اليوم محفوظًا في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس.

واللافت أن قصة هذا الأثر لا ترتبط فقط بقيمته الفنية، وإنما تحمل فصلًا مهمًا من تاريخ انتقال الآثار المصرية إلى أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

زودياك دندرة.. سقف يحمل خريطة للسماء

A Look Around the Louvre, France

يعود الزودياك إلى العصر البطلمي، وتحديدًا إلى عهد كليوباترا السابعة وبطليموس الثالث عشر، ويرجح تأريخه إلى نحو 50 قبل الميلاد.

وكان النقش جزءًا من سقف إحدى حجرات أوزيريس الموجودة أعلى معبد حتحور في دندرة، ويمثل تصورًا للسماء يضم الأبراج الاثني عشر، إلى جانب كواكب وأجرام وعناصر فلكية أخرى.

وتكمن أهمية الزودياك في أنه لا يقدم مجرد زخرفة فنية، بل يكشف جانبًا من معرفة المصريين في العصر البطلمي بالسماء والظواهر الفلكية، ويمزج بين المعتقدات الدينية والتصورات الفلكية التي كانت سائدة آنذاك. 

كيف وصل الأثر إلى فرنسا؟

تعود بداية قصة الزودياك الحديثة إلى الحملة الفرنسية على مصر، حيث اكتشفه أفراد الحملة في معبد حتحور بدندرة في 24 يناير 1799.

وبعد أن اكتسب الزودياك شهرة واسعة في أوروبا، بدأت محاولات نقله من مصر. ووفقًا للسجل الرسمي لمتحف اللوفر، أرسل سيباستيان لويس سولنييه بعثة إلى مصر عام 1820 لاستقدامه إلى فرنسا، ثم صدر فرمان من محمد علي باشا في 27 يناير 1821 سمح باستخراجه من معبد دندرة.

وفي أبريل ومايو من العام نفسه، جرى نزع الزودياك من موضعه، ثم غادر الإسكندرية في يوليو 1821، ووصل إلى مرسيليا في سبتمبر، قبل أن يصل إلى باريس في يناير 1822. وفي أبريل من العام نفسه اشتراه الملك لويس الثامن عشر. 

هل اختفى السقف الأصلي بالفعل؟

No photo description available.

نعم، لكن من المهم استخدام التعبير التاريخي الدقيق.فالقطعة التي نراها اليوم في متحف اللوفر هي الزودياك الأصلي المنزوع من سقف معبد حتحور، بينما توجد في فرنسا أيضًا نسخة جبسية من الزودياك، صنع قالبها في القرن التاسع عشر، وهو ما يعكس حجم الاهتمام الأوروبي بهذا الأثر منذ وقت مبكر. 

ومن ثم، فإن وصف الأمر بأنه «سرقة» يحتاج إلى وضعه في سياقه التاريخي؛ فعملية النقل تمت رسميًا بموجب إذن صادر من السلطة الحاكمة في مصر آنذاك، وليس في صورة عملية تهريب سرية بالمعنى المتداول اليوم. لكن القصة تظل جزءًا من التاريخ الطويل لخروج الآثار المصرية إلى المجموعات والمتاحف الأوروبية.

لماذا كان الزودياك مهمًا إلى هذه الدرجة؟

لم يكن الاهتمام بالزودياك نابعًا من جماله الفني فقط، فقد اعتبره علماء الحملة الفرنسية أثرًا بالغ الأهمية لفهم الحضارة المصرية القديمة، كما أثارت رموزه الفلكية نقاشات واسعة في أوروبا حول تاريخ الحضارة المصرية وعلاقتها بعلم الفلك.

ويضم الزودياك تمثيلات للأبراج الاثني عشر، وخمسة كواكب كانت معروفة في ذلك العصر، إلى جانب تصوير لكسوفين، أحدهما شمسي والآخر قمري. وقد ساهمت هذه العناصر في جعل الأثر واحدًا من أشهر المناظر الفلكية المرتبطة بمصر القديمة.

من دندرة إلى اللوفر

بعد وصول الزودياك إلى فرنسا، عُرض في متحف اللوفر بداية من يونيو 1822، ثم انتقل إلى المكتبة الملكية، قبل أن يعود إلى اللوفر في عام 1919، حيث يوجد حاليًا ضمن مجموعة الآثار المصرية.

وتسجل قاعدة بيانات اللوفر أن القطعة تحمل رقم التسجيل E 13482، وأنها مصنوعة من الحجر الرملي، وتبلغ أبعادها نحو 255 × 253 سنتيمترًا. 

قصة أثر تفتح ملف الآثار المصرية بالخارج

Day Tour to Dendera and Abydos Temples | Discover Dendera and Abydos Temples

وتعيد قصة زودياك دندرة إلى الواجهة قضية خروج عدد كبير من الآثار المصرية إلى خارج البلاد خلال فترات تاريخية مختلفة، وهي قضية ما زالت تحظى باهتمام واسع، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بقطع كانت جزءًا من مبانٍ ومعابد مصرية وظلت مرتبطة بمواقعها الأصلية لآلاف السنين.

فزودياك دندرة ليس مجرد قطعة أثرية معروضة في متحف أوروبي، وإنما جزء من سقف معبد حتحور، ويحمل في تفاصيله تصورًا مصريًا بطلميًا للسماء والكون، ولذلك فإن وجوده اليوم بعيدًا عن معبده الأصلي يجعل قصته واحدة من أكثر القصص إثارة في تاريخ انتقال الآثار المصرية إلى أوروبا.

وهكذا، فإن النظر إلى زودياك دندرة باعتباره «سقفًا مسروقًا» فقط لا يروي القصة كاملة؛ فالتاريخ الموثق يخبرنا أن الأثر نُزع من مكانه في القرن التاسع عشر بموجب إذن رسمي، ثم انتقل إلى فرنسا واستقر في اللوفر. وبينما قد تختلف التوصيفات القانونية والتاريخية للعملية، تبقى الحقيقة الأبرز أن جزءًا أصيلًا من معبد حتحور في دندرة لم يعد موجودًا في موقعه الذي صنعه المصريون القدماء، وأصبح اليوم واحدًا من أشهر الآثار المصرية المعروضة خارج مصر.


 

تم نسخ الرابط