«الدعاية الملكية قبل آلاف السنين».. كيف روّج رمسيس الثاني لانتصاراته؟
لم يكن رمسيس الثاني مجرد واحد من أشهر ملوك مصر القديمة، بل كان أيضًا من أكثر الفراعنة حرصًا على تخليد صورته وإنجازاته على جدران المعابد. فقد تحولت النقوش الملكية في عهده إلى وسيلة لعرض القوة والانتصارات وترسيخ صورة الملك المحارب الذي يحمي مصر ويقهر أعداءها.
وتقدم نقوش رمسيس الثاني في معابده، ومن بينها معبد أبو سمبل، مشاهد ضخمة للملك في ساحات القتال، وهو يقود عربته الحربية ويستخدم القوس والسهم ببراعة، بينما تبدو جيوش الأعداء في مواجهته. وتمنح هذه المشاهد الملك حضورًا استثنائيًا، وكأنه البطل الذي يستطيع بمفرده تغيير مسار المعركة وتحقيق النصر.
واللافت أن هذه النقوش لا تكتفي بتسجيل حدث عسكري، وإنما تقدم رواية متكاملة عن الملك؛ فهو القائد والمحارب وحامي البلاد، وتظهره في هيئة مثالية تتناسب مع مكانته المقدسة والسياسية.
أبو سمبل.. جدران تروي بطولات الملك
يُعد معبد أبو سمبل أحد أبرز الأماكن التي تظهر فيها الدعاية الملكية لرمسيس الثاني، إذ زُينت جدرانه بمشاهد ونصوص تصور الملك في عدد من الحملات العسكرية وتبرز قوته وانتصاراته.
ومن أشهر المشاهد تلك المرتبطة بمعركة قادش ضد الحيثيين، حيث يظهر رمسيس الثاني في قلب المعركة على عربته، ممسكًا بالقوس، بينما تتساقط أمامه صفوف الأعداء.
وتقدم النقوش الملك في صورة شديدة المثالية، وهي سمة مهمة في الفن والنقوش الملكية المصرية؛ فالهدف لم يكن تقديم تقرير عسكري محايد بالمفهوم الحديث، وإنما إظهار انتصار الملك وقوته وقدرته على حماية مصر وتحقيق النظام.
«يفعل كل شيء».. صورة الملك البطل
تظهر براعة رمسيس الثاني في النقوش بصورة تكاد تجعله بطلًا خارقًا بمقاييس عصره؛ فهو يقود العربة، ويطلق السهام، ويواجه الأعداء، وينتصر عليهم، بينما تتكرر صورته في مشاهد متعددة لتأكيد تفوقه.
وكانت العربة الحربية من أهم رموز القوة العسكرية في الدولة الحديثة، ولذلك ارتبط تصوير الملك عليها بفكرة السرعة والسيطرة والقدرة على قيادة الجيش في المعارك.
كما أن طريقة تصوير الملك وهو يستخدم القوس والسهم دون الإمساك باللجام تُبرز مهارته في القتال وقيادة العربة في آن واحد، وتخدم الرسالة الأساسية للنقش: الملك يمتلك القوة والمهارة التي تمكنه من الانتصار على أعدائه.
النقش الملكي.. أكثر من مجرد تاريخ
تكشف هذه المشاهد عن وظيفة مهمة للنقوش الملكية في مصر القديمة؛ فهي لم تكن مجرد تسجيل للأحداث، وإنما كانت وسيلة لتقديم رؤية رسمية للملك وعصره.
فالملك يظهر دائمًا تقريبًا في صورة قوية ومنتصرة، بينما يُصوَّر الأعداء في وضعية الضعف والهزيمة. ومن خلال هذا التكوين البصري، كان المشاهد يرى النظام في مواجهة الفوضى، والملك في مواجهة أعداء مصر.
ولهذا ارتبطت صورة الملك المحارب بفكرة الماعت، أي الحفاظ على النظام والحق والتوازن، وهي إحدى الأفكار المركزية في العقيدة والملكية المصرية القديمة.
رمسيس الثاني.. ملك صنع صورته بنفسه
امتد حكم رمسيس الثاني لعقود طويلة، وخلال هذه الفترة ترك عددًا هائلًا من النقوش والتماثيل والمنشآت التي حملت اسمه وصورته.
ويبدو واضحًا من حجم هذه الأعمال أن تخليد اسم الملك وصورته كان جزءًا أساسيًا من مشروعه الملكي. فكلما تكررت صورة الملك المنتصر، وكلما نُقش اسمه على جدران المعابد، أصبح حضوره أقوى في ذاكرة المصريين وفي العالم المقدس.
ولذلك يمكن النظر إلى معابد رمسيس الثاني باعتبارها واحدة من أقدم أشكال «الإعلام الملكي»؛ فالملك يروي من خلالها قصته بالطريقة التي يريد أن يتذكره بها الناس: قائدًا عظيمًا، ومحاربًا لا يُهزم، وحاميًا لمصر.
صورة من 1905.. عندما أعادت الكاميرا اكتشاف المشهد
ولا تقتصر أهمية صورة أبو سمبل المشار إليها على المشهد الأثري نفسه، وإنما تمتد إلى تاريخ توثيق الآثار المصرية. فقد التُقطت الصورة خلال بعثة عالم المصريات جيمس هنري برستد إلى أبو سمبل في عامي 1905 و1906.
وتقدم الصور الفوتوغرافية القديمة قيمة كبيرة للباحثين، لأنها توثق حالة المعابد والنقوش في فترة مبكرة من تاريخ علم المصريات الحديث، وتتيح مقارنة حالة الآثار آنذاك بما وصلت إليه اليوم.
وهكذا تلتقي في صورة واحدة قصتان؛ قصة الملك الذي أراد أن يخلد انتصاراته على الحجر، وقصة علماء الآثار الذين جاءوا بعد آلاف السنين ليخلدوا هذه النقوش بالكاميرا.
«أنا الملك المنتصر».. الرسالة التي بقيت آلاف السنين
عندما نقف أمام مشاهد رمسيس الثاني في أبو سمبل، فنحن لا نرى معركة فقط، وإنما نرى الطريقة التي أراد بها الملك أن يكتب تاريخه.
لقد تحدث رمسيس الثاني عن نفسه من خلال الحجر، وجعل جدران معابده مسرحًا دائمًا لانتصاراته، فظهر فيها قويًا، مسيطرًا، يقود عربته ويطلق سهامه ويقهر أعداء مصر.
وبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، ما زالت هذه الرسالة حاضرة؛ فربما لم يكن رمسيس الثاني قادرًا فعلًا على القيام بكل شيء بمفرده كما توحي النقوش، لكن المؤكد أنه نجح في شيء واحد ببراعة استثنائية: أن يجعل صورته كملك عظيم ومنتصر تعيش آلاف السنين.