رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

المدرسة مساحتها تقترب من فدانين

السلطان حسن..تاريخ عظيم يسكن بين جدران مسجد ومدرسة لتدريس المذاهب الأربعة

مسجد ومدرسة السلطان
مسجد ومدرسة السلطان حسن

مدرسة ومسجد السلطان حسن..لا يوجد أحد لم يسمع بهذا الإسم من قبل..خاصة أنها من أشهر وأروع المنشآت الأثرية الإسلامية ليس في مصر فقط بل ربما في العالم،حيث تقع هذه المدرسة والمسجد(757 – 762 هـ) / (1356 – 1361م) بميدان صلاح الدين،وقد أطلق على هذا الميدان أسماء عديدة عبر التاريخ أشهرها ميدان الرميلة وسوق الخيل وقره ميدان وميدان المنشية وميدان القلعة،وأخرها حالياً هو ميدان صلاح الدين.

د.محمد عبد اللطيف أستاذ الآثار الإسلامية وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة المنصورة قال أنه يعتبر هذا البناء من أضخم أبنية مصر عمارة،وأعلاها بناءاً وأكثرها فخامة وأحسنها شكلاً وأجمعها لمحاسن العمارة،وإن حق لمصر الفرعونية أن تفخر بأهرامها فإن لمصر الإسلامية أن تتيه عجباً بمدرسة السلطان حسن التى لا يعادلها بناءاً آخر فى الشرق بأجمعه،فقد جمعت شتى الفنون فيها وذلك على حد قول العالم الأثرى الأستاذ حسن عبد الوهاب.

وعن شخصية السلطان حسن قال:هو السلطان الملك الناصر حسن بن السلطان الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون ، ولد فى سنة (735 هـ / 1334م) وكان يسمى قمارى فغير اسمه إلى الناصر حسن لما جلس على سرير الملك وكان عمره وقتذاك ثلاث عشرة سنة،وكان أمر المشورة فى الدولة والتدبير لأمراء المماليك وعلى رأسهم الأمير شيخو العمرى الناصرى. ولكنه قبض عليه وألقى فى السجن سنة (752 هـ / 1351م). 

وبعد ثلاث سنوات أعيد على سرير الملك مرة ثانية فى سنة 755 هـ / 1354م وظل فى السلطنة حتى اختفى ولا يعرف حتى الآن على وجه اليقين أين دفن ولا مكان قبره وكان اختفاؤه سنة 762 هـ / 1360م،وربما كانت حادثة اختفاء السلطان حسن هذه توضح مدى الصراعات السياسية والتنافس بين أمراء المماليك فى ذلك الوقت للانفراد بالسلطة وأمور السلطنة المصرية.

وقد أمر الملك الناصر حسن ببناء هذه المدرسة فى سنة 747 هـ - 1346م،واختار لها هذا الموقع بعد أن هدم ما كان بها من مبان قديمة وخصصها لكى تكون مدرسة لتدريس المذاهب الأربعة،واستمر العمل فيها ثلاث سنوات بلا انقطاع حتى احتفل السلطان حسن بافتتاح المدرسة،وصلى فيها الجمعة وأنعم على البنائين والمهندسين وأقيمت بها الدروس فى حياته أيضاً،كما حرر لها وقفية مؤرخة فى شهر رجب سنة 760 هـ / 1358م. ورصد لها عقارات وأراض تغل للصرف عليها وعين بها الموظفين والقراء وفرشها وعلق بها الثريات والمشكاوات الجميلة وعين لها أماماً.

صورة قديمة جدا للمسجد والمدرسة 
صورة قديمة جدا للمسجد والمدرسة 

ولكن أعمال البناء لم تكن اكتملت بعد واستمر البناء تحت إشراف الأمير بشير الجمدار حتى بعد اختفاء السلطان حسن سنة 762 هـ /1360م،والأعمال التى قام بها الأمير بشير الجمدار هى بناء القبة الكبيرة التى تقع خلف جدار القبلة بالمدرسة وكذلك المطلة على صحن المدرسة وأيضاً قبة الفسقية بصحن المدرسة وهى قبة خشبية محمولة على ثمانية أعمدة رخامية.

وتشغل المدرسة مساحة كبيرة من الأرض فهى ما تقرب من فدانين إذ تبلغ مساحتها (7906) متراً مربعاً وهى على شكل مستطيل غير منتظم الأضلاع وهى خالية من جميع الجهات ولذلك فهى تحتوى على أربع واجهات،والمدخل الرئيسى للمدرسة يقع فى الطرف الغربى للواجهة الشمالية ويبلغ ارتفاعها عند الباب حوالى 37.70 متر ولقد حلى هذا المدخل من جانبيه بالزخارف المتنوعة الممتدة إلى أعلى وأكثرها لم يتم إلى الآن.

ويكتنف هذا المدخل حنيتان برأسيهما مقرنصات لبستا بالرخام الأحمر بأشكال هندسية وكتب أعلاها بالخط الكوفى المزهر قوله تعالى "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. ليغفر لك الله" يعلوهما تربيعتان كتب على إحداهما بالكوفى المربع."لا إله إلا الله محمد رسول الله" وبالأخرى أسماء الخلفاء الراشدين "أبو بكر – عمر– عثمان – على".

أما فتحة باب المدخل فتوجد فى تجويف عميق تعلوه طاقية تنتهى بنصف كرة وملئت منطقة الانتقال من المربع إلى الدائرة بصفوف من الدلايات بلغ عددها عشرون صفاً وقد جمعت بعض هذه الصفوف على هيئة مثلثات مما أكسبها منظراً جميلاً لا مثيل له فى الواجهات المصرية وربما كان متأثراً بزخارف الواجهات فى العمارة السلجوقية. 

ولقد كان لباب المدخل مصراعان من الخشب المصفح بالنحاس المكفت بالذهب والفضة نقلهما السلطان المؤيد شيخ إلى مسجده الموجود حالياً بجوار باب زويله وحالياً تم نقل هذا الباب ليعرض فى متحف الفن الإسلامى ، ويتوج المدخل الرئيسى ستة صفوف من الدلايات تبرز عن سمت الواجهة بمقدار متر ونصف المتر.

ويؤدى الباب الرئيسى إلى مدخل مربع الشكل مكون من ثلاثة إيوانات مغطاة بمقرنصات يتوسطها قبة مكسوة بالحجر الأحمر وبصدر هذا المدخل مصطبة حليت بالرخام الملون الملبس فى الرخام الأبيض ومن هذا المدخل يتوصل إلى سلم ذى خمس درجات يؤدى إلى دهليز معقود وينثنى هذا الدهليز إلى اليسار دفعة واحدة وينتهى إلى صحن المدرسة. 

وتخطيط المدرسة متفق مع الطراز المملوكى ذى الإيوانات الأربعة المتعامدة التى يتوسطها الصحن فتكون معه ما يشبه الصليب فهو مكون من صحن مكشوف مساحته حوالى 34.60× 32 متراً تتوسطه ميضأة تغطيها قبة من الخشب محمولة على ثمانية أعمدة من الرخام،ويقطع الصحن محوران متعامدان فى نهاية كل منهما إيوان وفى كل زاوية من زوايا الإيوانات الأربعة باب يوصل إلى إحدى المدارس الأربع المخصصة لدراسة المذاهب الإسلامية الأربعة وهى: الحنفى والشافعى والمالكى والحنبلى.

وأكبر هذه المدارس مدرسة الحنفية إذ تبلغ مساحتها حوالى 898 متراً مربعاً. وتحتوى بعض إيواناتها على شريط من الكتابة يحيط بصحنها وينتهى هذا النص الكتابى باسم المهندس الذى أشرف على عمارة مدرسة السلطان حسن وهو "محمد بن بيليك المحسنى" وأول من قرأ هذا الاسم هو المرحوم الأستاذ حسن عبد الوهاب سنة 1944م.

وأكبر الإيوانات هو الإيوان الجنوبى الشرقى وجدرانه مكسوة بالرخام والأحجار الفاخرة الملونة يحيط به من أعلى إطار من الجص مكتوب به آيات من سورة الفتح بالخط الكوفى المزهر وسقفه معقود ومبنى بالأجر ما عدا بدايته من جهة الصحن فإنه بالحجر وهو أكبر عقد مبنى على إيوان بمصر. 

وفى هذا الإيوان دكة المبلغ وهى من الرخام وترتكز على ثلاث دعامات بينها ثمانية أعمدة وكذلك المنبر وهو على يمين المحراب فهو من الرخام الأبيض واستخدم به الخشب المصفح بالنحاس فى زخارف من أشكال متعددة الأضلاع مرتبة فى أوضاع نجمية الشكل ويعتبر هذا المنبر من النماذج الفريدة للمنابر الرخامية.

وفى وسط جدار القبلة يوجد المحراب المجوف وهو من المحاريب الكبيرة الكثيرة العمق وقد زخرف بالرخام الملون وعلى جانبى المحراب لوحتان نقش عليهما "جدد هذا المكان المبارك حسن أغا خازندار الوزير إبراهيم باشا بيد الفقير محمد 1082 هـ والذى يوافق عام 1671م".

مسجد ومدرسة السلطان حسن 
مسجد ومدرسة السلطان حسن 

ويكتنف المحراب بابان يوصلان إلى القبة التى تقع خلفه ويحتويان على مصراعين مصفحين بالنحاس ومكفتين بالذهب والفضة على غرار باب المدخل الرئيسى إلا أن الباب الشمالى منهما فقد بينما الباب الجنوبى أجريت له بعض الترميمات فى عهد الخديوى عباس حلمى الثانى.

وأما عن القبة خلف جدار القبلة فهى مربعة الشكل يبلغ طول ضلعها حوالى 21 متراً وارتفاعها إلى نهاية القبة حوالى 48 متراً وقد زين مربع القبة على ارتفاع ثمانية أمتار بشريط من الكتابة بالخط النسخ مدهون على خشب يحتوى على آية الكرسى وتنتهى بتاريخ الفراغ من هذه القبة 764 هـ / 1362م ويأتى بعد الشريط الكتابى منطقة الانتقال التى ملأت الأركان بالمقرنصات الخشبية المحلاه بزخارف مدهونة بطلاء ذهبى. 

وقد كانت القبة الأصلية خشبية ومغطاة من الخارج بطبقة من الرصاص على غرار قبة الإمام الشافعى وجامع بيبرس بالظاهر وقبة قلاوون ومعظم النوافذ المغشاة بالفراغات الجصية والفسيفساء الزجاجية الملونة أعادت تجديدها لجنة حفظ الآثار العربية.

ويتوسط القبة تركيبة من الرخام نقش عليها تاريخ إنشائها 786 هـ / 1384م ولقد دفن فيها ابن السلطان حسن وهو الشهاب أحمد المتوفى سنة 788 هـ / 1386م وفى الضلع الشرقى من القبة يوجد محراب مجوف كسى بالرخام الملون الدقيق الصنع،كما وجد بالقبة كرسى مصحف من الخشب المصنوع بطريق الحشوات المجمعة والمطعم بالصدف والعاج وقوام زخرفته الهندسية الطبق النجمى ويعد من أقدم كراسى المصحف التى عثر عليها حتى الآن بمصر.

ولقد كان مقرراً فى بداية إنشاء مدرسة السلطان حسن بناء أربع مآذن ولكن تم بناء مئذنتين فقط ، ويوجد بالجانب القبلى والشرقى من المدرسة حالياً مئذنتان عظيمتان ويبلغ ارتفاع الكبرى منهما وهى الجنوبية حوالى 60و81 متراً. وتجدر الإشارة إلى أن أسقف الإيوانات بهذه المدرسة كانت تتدلى منها مشكاوات مموهة بالمينا وتنانير نحاسية مصنوعة من النحاس المفرغ والمكفت بالذهب والفضة محفوظة حالياً بمتحف الفن الإسلامى بالقاهرة. 

وجدير بالذكر أيضاً أن لجنة حفظ الآثار العربية قد بذلت مجهودات كبيراً فى إصلاح هذه المدرسة فأتمت بناء مئذنتها وأصلحت جدرانها وأعمال الخشب والرخام بها سنة 1915م تحت إشراف هيرتس فلض باشا كبير مهندسى اللجنة،كما قامت هيئة الآثار المصرية ببعض الترميمات الكبيرة فى ثمانينات القرن العشرين فى عصر د. أحمد قدرى الرئيس الأسبق لهيئة الآثار المصرية ( المجلس الأعلى للآثار حالياً ).

تم نسخ الرابط