حكاية حارة السقايين، عندما كان الماء مهنة وصوتا يوقظ القاهرة
في أزقة القاهرة القديمة، ما زالت أسماء الشوارع والحارات تحتفظ بذاكرة المهن التي ازدهرت يومًا ما ثم اختفت مع تغير الزمن. ومن بين هذه الأسماء تبرز حارة السقايين، التي تروي قصة رجال كانت حياتهم مرتبطة بالماء، يحملونه على ظهورهم ويجوبون به الشوارع قبل وصول شبكات المياه الحديثة إلى المنازل.
مهنة لا غنى عنها
اشتق اسم الحارة من السقايين، وهم الرجال الذين امتهنوا نقل المياه وبيعها للسكان والمساجد والبيوت والوكالات التجارية. وكان السقاء يحمل قربة كبيرة من الجلد أو أواني نحاسية مملوءة بالماء، وينتقل بين الأزقة مناديًا على بضاعته، ليصبح حضوره جزءًا من المشهد اليومي في القاهرة لقرون طويلة.

ولم تكن مهمة السقاء سهلة، فقد اعتمدت القاهرة القديمة على مياه نهر النيل أو الآبار والصهاريج، وكان على السقاء أن يقطع مسافات طويلة تحت حرارة الشمس ليؤمن احتياجات الأهالي من مياه الشرب والاستخدامات المنزلية، مقابل أجر بسيط.
من النيل إلى أبواب المنازل
في العصرين المملوكي والعثماني، اكتسب السقايين أهمية كبيرة، خاصة في الأحياء البعيدة عن مصادر المياه. وكان بعضهم يعمل لحسابه الخاص، بينما ارتبط آخرون بالمنازل الكبيرة أو المؤسسات الدينية، حيث يتولون توفير المياه بشكل يومي.
كما ارتبطت المهنة بالأعمال الخيرية، إذ كان بعض المحسنين يتكفلون بدفع أجور السقايين لتوزيع المياه مجانًا على الفقراء والمارة، خاصة خلال فصل الصيف أو في المناسبات الدينية، فيما انتشرت الأسبلة التي شيدت خصيصا لتوفير الماء للعطشى.

حارة تحمل ذاكرة المهنة
تقع حارة السقايين في منطقة القاهرة التاريخية، وظل اسمها شاهد على تجمع العاملين بهذه المهنة فيها، حيث أقام عدد كبير من السقايين بالقرب من بعضهم البعض، وتحولت المنطقة إلى مركز مرتبط بتجارة المياه ومستلزماتها.
ومع إنشاء شبكات المياه الحديثة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت مهنة السقاء تتراجع تدريجيًا، حتى اختفت تقريبًا من الحياة اليومية، لكنها بقيت حاضرة في الأمثال الشعبية والأغاني واللوحات الفنية، التي صورت السقاء بملابسه التقليدية وقربته الجلدية.

السقاء في الذاكرة الشعبية
لم يكن السقاء مجرد بائع للمياه، بل شخصية اجتماعية مألوفة يعرفها سكان الحي جميعًا. وكان الأطفال يلتفون حوله طلب للماء البارد، بينما ارتبط ظهوره بمعاني الكرم والعطاء، حتى أصبح رمز للخير في الثقافة الشعبية المصرية.
ورغم اختفاء المهنة، فإن اسم حارة السقايين ما زال يذكر المارة بعصر كانت فيه قطرة الماء تصل إلى البيوت على أكتاف رجال أفنوا أعمارهم في خدمة الناس، قبل أن تحل الصنابير وشبكات المياه محل القرب الجلدية وأصوات النداء التي كانت تتردد في شوارع القاهرة.






