معابد وسفن وتماثيل تحت الماء.. ماذا تخفي مدينة هيراكليون الغارقة؟
المحتويات
- أين تقع مدينة هيراكليون الغارقة؟
- كيف تحولت هيراكليون من ميناء مزدهر إلى مدينة غارقة؟
- زلزال أم تسونامي؟ ماذا تقول الدراسات عن اختفاء المدينة؟
- هيراكليون.. بوابة مصر التجارية قبل تأسيس الإسكندرية
- معبد آمون وتماثيل ضخمة.. ماذا تخفي المدينة تحت المياه؟
- أكثر من 70 سفينة.. دليل على حركة التجارة والملاحة
- كيف اكتشف العلماء المدينة بعد قرون من اختفائها؟
- هل حفظ البحر آثار هيراكليون من الاندثار؟
- هيراكليون.. مدينة غابت تحت البحر وعادت إلى ذاكرة التاريخ
على بُعد عدة كيلومترات من شاطئ أبو قير بالإسكندرية، تختبئ تحت مياه البحر المتوسط بقايا مدينة مصرية قديمة كانت يومًا من أهم الموانئ التجارية والدينية في البلاد. هناك، بين الرمال والطمي، ترقد أعمدة المعابد والتماثيل الضخمة والسفن القديمة والعملات والقطع الأثرية، شاهدة على مدينة اختفت من فوق الأرض، وظلت لقرون طويلة حاضرة فقط في النصوص التاريخية.
إنها مدينة ثونيس-هيراكليون، التي تُعرف اليوم باسم المدينة الغارقة، بعدما تحولت من بوابة بحرية مهمة لمصر إلى موقع أثري مغمور بالمياه، في واحدة من أبرز قصص الاكتشافات الأثرية تحت سطح البحر.
لكن كيف اختفت هذه المدينة؟ وهل ابتلعها زلزال أو موجة تسونامي واحدة، أم أن البحر تقدم إليها تدريجيًا عبر قرون؟ وما الأسرار التي كشفت عنها عمليات التنقيب بعد العثور على آثارها؟
أين تقع مدينة هيراكليون الغارقة؟
تقع بقايا مدينة ثونيس-هيراكليون في خليج أبو قير، قبالة سواحل الإسكندرية، على مسافة تقدر بنحو 6 إلى 7 كيلومترات من الساحل الحالي، وتوجد آثارها على أعماق تتراوح في بعض مناطقها بين 5 و7 أمتار تحت سطح المياه، وفقًا لبيانات وزارة السياحة والآثار.
وتحمل المدينة اسمين ارتبطا بتاريخها؛ فـ«ثونيس» هو الاسم المصري القديم، بينما عُرفت باسم «هيراكليون» في المصادر اليونانية، ولذلك يُستخدم الاسمان معًا للإشارة إلى المدينة نفسها.
ولم تكن المدينة مجرد تجمع سكني ساحلي، بل كانت ميناءً استراتيجيًا ومركزًا تجاريًا مهمًا، إذ أدت دور البوابة البحرية التي تمر عبرها السفن القادمة من العالم اليوناني إلى مصر، كما ارتبطت بحركة التجارة والضرائب وتأمين الممرات الملاحية المؤدية إلى دلتا النيل.
ويرجح الباحثون أن نشأة المدينة تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، فيما بلغت أهمية كبيرة خلال العصر الصاوي، واستمرت في أداء أدوار تجارية ودينية خلال الفترات اللاحقة.
كيف تحولت هيراكليون من ميناء مزدهر إلى مدينة غارقة؟
لا تشير الدراسات الأثرية والجيولوجية إلى أن مدينة هيراكليون اختفت بسبب حادث واحد يمكن تحديده بصورة قاطعة، بل ترجح أن غرقها كان نتيجة مجموعة من العوامل الطبيعية التي تفاعلت معًا على مدار فترات زمنية طويلة.
ويأتي في مقدمة هذه العوامل طبيعة الأرض التي شُيدت عليها المدينة؛ فقد قامت على رواسب دلتا النيل الغنية بالطمي والتربة الطينية، وهي أرض قابلة للانضغاط والهبوط مع مرور الوقت، خصوصًا تحت تأثير الأحمال الثقيلة للمباني والمنشآت.
ومع هبوط الأرض تدريجيًا وارتفاع مستوى مياه البحر، أصبحت أجزاء من المدينة أكثر عرضة للغمر، وبدأت المياه تتسلل إلى المناطق المنخفضة، حتى تراجعت المساحات الصالحة للسكن والاستقرار.
كما تشير التفسيرات الجيولوجية إلى حدوث ظاهرة تُعرف باسم «تسييل التربة»، وهي حالة تفقد فيها التربة المشبعة بالمياه جزءًا كبيرًا من قدرتها على تحمل الأحمال، وقد تحدث بفعل الزلازل أو الضغوط الشديدة أو الاضطرابات الطبيعية.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تهبط أجزاء من الأرض بصورة مفاجئة، خاصة عندما تكون المباني الثقيلة قائمة فوق تربة طينية مشبعة بالمياه.
وتشير الأبحاث إلى أن الزلازل والفيضانات والأمواج العاتية ربما أسهمت في تسريع تدهور أجزاء من المدينة، بالتزامن مع الهبوط التدريجي للأرض وتقدم مياه البحر.
وبالتالي، فإن التفسير الأقرب علميًا ليس أن موجة بحرية واحدة ابتلعت المدينة بأكملها، وإنما أن مجموعة من التغيرات الجيولوجية والكوارث الطبيعية أدت إلى تدمير أجزاء منها ثم غمرها بالمياه على مراحل.
زلزال أم تسونامي؟ ماذا تقول الدراسات عن اختفاء المدينة؟
ارتبطت المدن الغارقة في منطقة خليج أبو قير بروايات تاريخية عن الزلازل والأمواج العاتية، كما كشفت الدراسات الجيولوجية عن آثار لاضطرابات زلزالية في الطبقات الأرضية الموجودة أسفل المنطقة.
وتوضح الأبحاث أن الزلازل قد تؤدي إلى إضعاف التربة الطينية المشبعة بالمياه، بما يسمح بحدوث هبوط مفاجئ في بعض المناطق، وقد تتزامن هذه الظاهرة مع ارتفاعات استثنائية في المياه أو موجات بحرية قوية.
لكن من المهم التمييز بين وجود أدلة على نشاط زلزالي وظروف جيولوجية ساعدت على الغرق، وبين الجزم بأن تسونامي محدد هو السبب الوحيد وراء اختفاء هيراكليون.
فالمشهد الذي تكشفه الدراسات أكثر تعقيدًا؛ إذ تعرضت المنطقة لهبوط تدريجي في مستوى اليابسة، مع تأثيرات متقطعة للكوارث الطبيعية، وهو ما أدى إلى تراجع المدينة واختفاء أجزاء واسعة منها تحت البحر.
هيراكليون.. بوابة مصر التجارية قبل تأسيس الإسكندرية
قبل أن يؤسس الإسكندر الأكبر مدينة الإسكندرية عام 331 قبل الميلاد، كانت هيراكليون من أهم الموانئ المصرية على ساحل البحر المتوسط.
وقد اكتسبت المدينة أهمية خاصة بسبب موقعها عند مدخل أحد فروع النيل القديمة، حيث كانت تستقبل السفن التجارية القادمة من اليونان ومناطق البحر المتوسط، وتؤدي دورًا في تنظيم حركة التجارة والعبور إلى داخل مصر.
ولم تكن وظيفتها اقتصادية فقط، بل ارتبطت أيضًا بحماية الممرات الملاحية وتحصيل الضرائب على التجارة الوافدة، وهو ما جعلها مركزًا مهمًا للتواصل بين المصريين واليونانيين.
كما عكست آثار المدينة هذا التداخل الحضاري؛ إذ كشفت المكتشفات عن وجود مصنوعات مصرية وأخرى يونانية، إلى جانب قطع تجمع بين التأثيرين، بما يعكس طبيعة العلاقات التجارية والثقافية التي شهدها الميناء عبر العصور.
ومع تأسيس الإسكندرية وتغير خريطة الموانئ والتجارة، تراجعت المكانة الاقتصادية لهيراكليون تدريجيًا، بينما استمرت أهميتها الدينية خلال الفترات التالية.
معبد آمون وتماثيل ضخمة.. ماذا تخفي المدينة تحت المياه؟
لم يكن اكتشاف هيراكليون مجرد العثور على مبانٍ قديمة غمرتها المياه، بل كشف عن مركز ديني وتجاري غني بالآثار التي ساعدت الباحثين على إعادة رسم صورة الحياة في المدينة.
ومن أبرز المكتشفات بقايا معبد الإله آمون، الذي ارتبط بطقوس دينية مهمة وبمفهوم شرعية الحكم الملكي في مصر القديمة.
كما عثرت البعثات الأثرية على تماثيل ضخمة وقطع أثرية متنوعة، بينها تماثيل ملكية ودينية، وأدوات ومقتنيات تعكس طبيعة الحياة اليومية والطقوس الدينية في المدينة.
وفي عام 2023، أعلنت بعثة مصرية فرنسية مشتركة اكتشاف بقايا معبد مخصص للإلهة اليونانية أفروديت، يعود إلى القرن الخامس قبل الميلاد، إلى جانب مجموعة من القطع البرونزية والخزفية المستوردة من اليونان، ومكتشفات مرتبطة بمعبد آمون.
وشملت المكتشفات أيضًا حُليًا ذهبية وأدوات طقسية مصنوعة من الفضة وأواني من الألباستر كانت تستخدم لحفظ العطور ومستحضرات التجميل، وهو ما يقدم صورة عن الثراء والتنوع الثقافي والديني الذي عرفته المدينة
أكثر من 70 سفينة.. دليل على حركة التجارة والملاحة
من أبرز ما كشفته أعمال التنقيب تحت الماء العثور على عدد كبير من السفن والقوارب القديمة، التي تمثل مصدرًا مهمًا لفهم حركة الملاحة والتجارة في الميناء.
وتشير دراسة علمية منشورة في المجلة الدولية لعلم الآثار البحرية إلى اكتشاف أكثر من 70 سفينة قديمة في نطاق المدينة، تعود إلى فترات تمتد من القرن الثامن إلى القرن الثاني قبل الميلاد.
ولا تعني هذه السفن بالضرورة أنها غرقت جميعًا في حادث واحد؛ إذ توضح الدراسة أن وجودها في الموقع قد يرتبط بأسباب متعددة، منها حوادث الغرق أو الإيداع الطقسي أو التخلي عنها بعد انتهاء استخدامها، أو إعادة توظيف أجزائها في منشآت أخرى.
وتساعد هذه المكتشفات الباحثين على فهم طبيعة النشاط البحري في هيراكليون، وأنواع السفن المستخدمة، والعلاقات التجارية التي ربطت مصر بمناطق البحر المتوسط.
كيف اكتشف العلماء المدينة بعد قرون من اختفائها؟
رغم أن اسم هيراكليون ورد في كتابات تاريخية قديمة، فإن موقعها ظل مجهولًا لقرون، ولم تكن هناك صورة دقيقة لمكانها الحقيقي تحت مياه البحر.
وبدأت أعمال البحث الحديثة في المنطقة خلال تسعينيات القرن العشرين، ضمن مشروع للمعهد الأوروبي للآثار البحرية بالتعاون مع الجهات الأثرية المصرية، بقيادة عالم الآثار البحرية فرانك جوديو.
واعتمد الفريق على تقنيات متطورة للمسح البحري، من بينها أجهزة السونار والمسح المغناطيسي، بهدف تحديد مواقع المنشآت والآثار المدفونة تحت الرواسب البحرية.
وفي عام 2000، أُعلن العثور على مدينة ثونيس-هيراكليون، لتتحول من اسم ورد في النصوص القديمة إلى موقع أثري حقيقي يمكن دراسته واستكشافه.
ولم يكن الوصول إلى آثار المدينة أمرًا سهلًا؛ إذ تغطي الرواسب والطمي أجزاء من الموقع، كما أن ضعف الرؤية تحت المياه في خليج أبو قير يجعل عمليات الغوص والتنقيب أكثر تعقيدًا.
ولا تزال أعمال البحث والتنقيب مستمرة، مع ظهور اكتشافات جديدة تساعد على فهم تاريخ المدينة وطبيعة الحياة فيها قبل غرقها.
هل حفظ البحر آثار هيراكليون من الاندثار؟
على الرغم من أن غرق المدينة كان كارثة أنهت وجودها العمراني، فإن وجود آثارها تحت المياه والرواسب أسهم في حماية أجزاء مهمة منها من عوامل التغيير التي تتعرض لها المواقع الأثرية الموجودة على اليابسة.
فبعض المنشآت والقطع الأثرية ظلت مدفونة تحت طبقات من الرمال والطمي، وهو ما ساعد على بقائها في حالة جيدة نسبيًا، كما أن غمر الموقع بالمياه أوقف عمليات إعادة البناء والتوسع العمراني التي كانت ستغير معالمه بمرور الزمن.
وقد أتاح ذلك للباحثين العثور على آثار في مواضعها الأصلية أو بالقرب من سياقاتها التاريخية، بما يوفر معلومات مهمة عن تخطيط المدينة ومبانيها وممارسات سكانها.
لكن هذا لا يعني أن البيئة البحرية تحمي جميع الآثار بصورة كاملة؛ إذ تظل القطع الأثرية المغمورة معرضة لتأثيرات المياه والرواسب والتغيرات البيئية، ما يجعل أعمال التوثيق والحماية والترميم ضرورية للحفاظ عليها.
هيراكليون.. مدينة غابت تحت البحر وعادت إلى ذاكرة التاريخ
تقدم مدينة ثونيس-هيراكليون واحدة من أهم الشواهد على العلاقة المتغيرة بين الإنسان والطبيعة؛ فالمكان الذي كان يومًا بوابة تجارية لمصر ومركزًا دينيًا وثقافيًا، أصبح اليوم موقعًا أثريًا غارقًا يحمل بين مياهه بقايا حضارة كاملة.
وتكمن أهمية المدينة في أنها لا تكشف فقط عن أسرار الغرق والظروف الجيولوجية التي غيرت شكل الساحل المصري، بل تفتح نافذة على تاريخ التجارة والملاحة والتفاعل بين الحضارتين المصرية واليونانية.
وبينما تواصل البعثات الأثرية استكشاف ما تخفيه مياه خليج أبو قير، تظل هيراكليون واحدة من القصص التي تؤكد أن البحر لا يمحو التاريخ بالضرورة؛ فقد يخفي مدنًا وكنوزًا لقرون، قبل أن تعود آثارها إلى النور وتروي حكاية عالم اختفى تحت الأمواج.
- # مدينة هيراكليون الغارقة
- # ثونيس هيراكليون
- # المدن الغارقة في مصر
- # آثار أبو قير
- # خليج أبو قير
- # آثار الإسكندرية
- # المدن المصرية القديمة
- # اكتشافات أثرية تحت الماء
- # معبد آمون
- # معبد أفروديت
- # فرانك جوديو
- # الآثار الغارقة
- # السياحة
- # وزارة السياحة
- # مصر
- # المدينة الغارقة
- # ساحل البحر المتوسط
- # القطع الأثرية
- # المصري القديم
- # اليونان
- # أبو قير
- # الإسكندرية
- # هيراكليون
- # حركة الملاحة
- # العثور على آثار
- # التنقيب
- # الملاحة
- # العملات