رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

سيرابيوم سقارة.. لغز التوابيت العملاقة تحت الأرض وحكاية الثيران المقدسة

 سيرابيوم سقارة
سيرابيوم سقارة

في أعماق هضبة سقارة، وعلى مسافة من عالم الأهرامات والمقابر الملكية، يمتد ممر أثري تحت الأرض يخفي وراء جدرانه واحدة من أكثر الحكايات تميزًا في الحضارة المصرية القديمة؛ إنه «سيرابيوم سقارة»، المدفن الذي احتضن الثيران المقدسة «أبيس»، وضم توابيت جرانيتية هائلة الحجم لا تزال تثير الدهشة بسبب دقة تصنيعها وضخامة كتلها الحجرية.

ولا تكمن أهمية السرابيوم في التوابيت العملاقة وحدها، بل في طقوس دينية وجنائزية استمرت قرونًا طويلة، عكست مكانة العجل أبيس في عقيدة المصريين القدماء، وصلته بالإله بتاح، أحد أبرز معبودات مدينة منف القديمة.

ما هو سيرابيوم سقارة؟

دراسة تستعرض إعجاز بناء أنفاق السرابيوم ووضع 24 تابوتا الواحد يزن 100 طن - اليوم السابع

يقع السرابيوم داخل جبانة سقارة الأثرية، وهي جزء من جبانة منف، العاصمة المصرية القديمة. ويُعد المكان مدفنًا مخصصًا لثيران أبيس المقدسة، التي ارتبطت بالإله بتاح، وكان المصريون القدماء ينظرون إليها باعتبارها تجسيدًا حيًا له.

وبحسب وزارة السياحة والآثار، يضم السرابيوم ممرات طويلة تحت الأرض، قادت إلى حجرات الدفن التي وُضعت فيها جثامين الثيران بعد تحنيطها، واستُخدم الموقع منذ عصر الدولة الحديثة، وتحديدًا الأسرة الثامنة عشرة، وحتى العصر البطلمي.

وكان اختيار عجل أبيس يخضع لعلامات وصفات جسدية محددة، إذ لم يكن أي ثور يُمنح هذه المكانة؛ بل كان يُنظر إليه باعتباره كائنًا ذا طبيعة مقدسة، يحظى برعاية وامتيازات خاصة طوال حياته.

لماذا حظي العجل أبيس بهذه المكانة؟

ارتبط العجل أبيس بمدينة منف ومعبودها الرئيسي بتاح، واحتل مكانة دينية كبيرة في المعتقدات المصرية القديمة. وعند نفوق الثور المقدس، كانت تقام له مراسم جنائزية خاصة، تشمل التحنيط والدفن في احتفال مهيب، قبل البحث عن خليفته.

ولم تكن عملية الدفن مجرد مواراة لجثمان حيوان، بل طقسًا دينيًا رسميًا شارك فيه الكهنة، وارتبط بمكانة المعبود والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.

وتكشف النقوش الموجودة بالسرابيوم عن اهتمام عدد من الملوك والأمراء بهذه الطقوس، ومن بينهم أبناء الملك رمسيس الثاني، خع إم واست ومرنبتاح، اللذان ارتبط اسماهما بتقديم القرابين والمقتنيات للثيران المقدسة.

التوابيت العملاقة.. كيف وصلت إلى أعماق الأرض؟

Serapeum of Saqqara (2026) – Best of TikTok, Instagram & Reddit Travel Guide

تُعد التوابيت الجرانيتية الضخمة أبرز ما يلفت الانتباه داخل السرابيوم؛ فهي ليست توابيت عادية، بل صناديق حجرية هائلة صُنعت لتضم المومياوات المحنطة لثيران أبيس.

وتثير هذه التوابيت تساؤلات حول كيفية استخراج كتل الجرانيت، ونقلها، ونحتها، ثم إنزالها إلى حجرات الدفن الموجودة في باطن الأرض، في وقت لم تكن فيه وسائل الرفع والنقل الحديثة معروفة.

وتشير مراجع أثرية إلى أن بعض التوابيت بلغ وزنها عشرات الأطنان، كما أن أغطيتها نفسها كانت شديدة الضخامة، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم والمهارة الهندسية لدى المصري القديم.

لكن ضخامة هذه الكتل لا تعني بالضرورة وجود لغز خارق أو تقنية مجهولة؛ فدراسة طرق النقل والرفع والنحت، ومقارنة آثار الأدوات والمنشآت، هي الطريق العلمي لفهم كيفية تنفيذ هذا العمل المعماري والجنائزي.

ممرات تحت الأرض وشواهد على طقوس استمرت قرونًا

يتكون السرابيوم من شبكة من الممرات والحجرات المنحوتة في باطن الأرض، صُممت لاستيعاب عمليات الدفن المتعاقبة للثيران المقدسة.

ومع مرور الزمن، شهد الموقع توسعات وإضافات ارتبطت باستمرار عبادة أبيس وتطور طقوس دفنه. وتُعد الشواهد والنقوش التي عُثر عليها في محيط التوابيت مصدرًا مهمًا لدراسة أسماء الحكام والكهنة وتواريخ الدفن، فضلًا عن فهم تطور المعتقدات الدينية في منف.

وتكشف هذه التفاصيل أن السرابيوم لم يكن مجرد مقبرة معزولة، بل جزءًا من منظومة دينية متكاملة ارتبطت بمعبد بتاح وطقوس عبادة أبيس.

أوجست مارييت وإعادة اكتشاف السرابيوم

عاد السرابيوم إلى دائرة الاهتمام الأثري الحديث مع أعمال عالم الآثار الفرنسي أوجست مارييت، الذي اكتشف الموقع عام 1850، وبدأت بعد ذلك مراحل جديدة من دراسة ممراته وتوابيته ونقوشه.

ومثّل اكتشافه محطة مهمة في تاريخ علم المصريات، إذ أتاح للباحثين دراسة جانب من الطقوس الدينية والجنائزية التي ارتبطت بعبادة أبيس، كما أسهمت الشواهد والنقوش المكتشفة في توثيق فترات من تاريخ مصر القديمة.

سرابيوم سقارة.. ما الذي يجعل المكان استثنائيًا؟

Catacombs and sarcophagi for the burial of mummies of sacred Apis bulls in the ancient Serapeum complex at Saqqara, Egypt.

تنبع أهمية السرابيوم من اجتماع عدة عناصر في موقع واحد؛ ممرات منحوتة تحت الأرض، وتوابيت جرانيتية هائلة، وطقوس تحنيط ودفن امتدت عبر عصور مختلفة، ونقوش تحمل أسماء ملوك وأمراء وكهنة.

وبينما تظل طريقة نقل بعض الكتل الحجرية وإنزالها إلى حجرات الدفن موضوعًا يستحق المزيد من الدراسة، فإن القيمة الحقيقية للمكان تكمن في ما يكشفه عن قدرة المصري القديم على تنظيم المشروعات الكبرى، وإتقانه للأعمال الحجرية، وارتباط العمارة بالعقيدة الدينية.

وهكذا يظل سيرابيوم سقارة شاهدًا فريدًا على عالم من المعتقدات والطقوس، تختبئ تفاصيله في أعماق الأرض، وتروي توابيته العملاقة حكاية علاقة المصري القديم بالمقدس والموت والحياة الأخرى.

تم نسخ الرابط