رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

باب زويلة.. بوابة القاهرة التي شهدت إعدام آخر سلاطين المماليك وأسرار المدينة الفاطمية

باب زويلة
باب زويلة

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى امتداد شارع المعز لدين الله الفاطمي، يقف باب زويلة شامخًا منذ أكثر من تسعة قرون، شاهدًا على فصول مهمة من تاريخ مصر، وبوابةً ارتبطت بالحياة اليومية للقاهرة القديمة، وبأحداث سياسية وعسكرية فارقة، جعلته واحدًا من أبرز المعالم الأثرية الإسلامية في مصر.

لم يكن باب زويلة مجرد مدخل إلى المدينة، بل كان جزءًا من منظومة دفاعية متكاملة لحماية القاهرة الفاطمية، ونقطة عبور مهمة للتجار والمسافرين، كما ارتبط اسمه بحكايات تاريخية لا تزال حاضرة في ذاكرة المكان حتى اليوم.

من الذي أنشأ باب زويلة؟ حكاية البوابة الفاطمية

يرجع إنشاء باب زويلة بصورته الحجرية الحالية إلى الوزير الفاطمي بدر الجمالي، في عهد الخليفة المستنصر بالله، عام 485هـ الموافق 1092م، وذلك ضمن مشروع إعادة بناء وتوسعة أسوار القاهرة الفاطمية بالحجر.

وكانت القاهرة قد شهدت تأسيس أسوارها الأولى على يد جوهر الصقلي عقب إنشاء المدينة عام 969م، قبل أن يتولى بدر الجمالي تطوير التحصينات وإعادة بنائها لتصبح أكثر قوة وقدرة على حماية المدينة.

ويُعد باب زويلة البوابة الوحيدة الباقية من السور الجنوبي للقاهرة الفاطمية، بينما لا تزال القاهرة تحتفظ كذلك ببابي النصر والفتوح في الجهة الشمالية، لتشكل هذه الأبواب الثلاثة شواهد مهمة على تطور العمارة الحربية في العصر الفاطمي.

لماذا سُمي باب زويلة بهذا الاسم؟

باب زويلة: أكبر أبواب القاهرة

يحمل الباب اسم قبيلة زويلة، وهي إحدى القبائل التي جاءت من شمال أفريقيا برفقة القائد جوهر الصقلي، واستقرت بالقرب من هذه المنطقة.

ولم يكن هذا الاسم هو الوحيد الذي عُرف به المكان؛ إذ اشتهر أيضًا باسم «بوابة المتولي»، وترتبط هذه التسمية بوجود متولي الحسبة الذي كان يتولى متابعة الشؤون المالية وتحصيل الضرائب من حركة الدخول والخروج عبر البوابة.

وهكذا جمع المكان بين وظيفته الدفاعية ودوره في تنظيم الحركة التجارية والمالية داخل القاهرة القديمة.

سر المئذنتين فوق باب زويلة

من أكثر ما يميز باب زويلة معماريًا وجود مئذنتين تعلوان برجيه المستديرين، في مشهد يجعله مختلفًا عن كثير من البوابات التاريخية.

لكن المفاجأة أن المئذنتين لم تكونا جزءًا من التصميم الأصلي للباب؛ فقد أضيفتا بعد نحو ثلاثة قرون من إنشائه، عندما قرر السلطان المملوكي المؤيد شيخ بناء مسجده الشهير المجاور للبوابة، خلال الفترة من 818 إلى 824هـ، الموافق 1415 إلى 1421م.

واستُخدمت قاعدتا برجي الباب لإقامة المئذنتين، فأصبح البناء شاهدًا على تداخل العمارة الفاطمية والمملوكية في قلب القاهرة التاريخية.

باب زويلة.. شاهد على نهاية دولة المماليك

ارتبط اسم باب زويلة بواحد من أشهر الأحداث السياسية في تاريخ مصر، وهو إعدام السلطان الأشرف طومان باي، آخر سلاطين دولة المماليك، بعد دخول السلطان العثماني سليم الأول مصر عام 1517م.

وشهدت المنطقة الواقعة أمام الباب تنفيذ حكم الإعدام في طومان باي، في واقعة ارتبطت بنهاية الحكم المملوكي وبداية مرحلة جديدة من التاريخ السياسي لمصر تحت الحكم العثماني.

ومنذ ذلك الحين، ظل باب زويلة حاضرًا في الذاكرة التاريخية باعتباره المكان الذي شهد نهاية دولة وبداية عصر جديد.

بوابة دفاعية تحولت إلى شاهد على الحياة اليومية

لم تقتصر أهمية باب زويلة على الأحداث السياسية والعسكرية؛ فقد كان جزءًا من النسيج العمراني والاقتصادي للقاهرة، وشهد حركة التجار والحرفيين والمسافرين، فضلًا عن المواكب والأنشطة التي ارتبطت بالحياة داخل المدينة القديمة.

وتكشف تفاصيله المعمارية عن طبيعة التحصينات التي اعتمدت عليها القاهرة الفاطمية؛ إذ يتكون من برجين مستديرين يتوسطهما مدخل، بما يعكس الدور الدفاعي للبوابة في مراقبة حركة الدخول والخروج وتأمين الجهة الجنوبية للمدينة.

كما أن موقعه عند نهاية شارع المعز من الناحية الجنوبية، في مواجهة جامع الصالح طلائع، يجعله جزءًا من مشهد معماري وتاريخي متكامل يضم عددًا من أهم آثار القاهرة الإسلامية.

من التدهور إلى الترميم.. كيف استعاد الباب رونقه؟

Exploring Bab Zuwayla: A Gateway to Old Cairo’s Past  – Discoveries Egyptian Imports

على مدار قرون طويلة، تعرض باب زويلة لعوامل الزمن والتغيرات العمرانية المحيطة به، وهو ما استدعى تنفيذ أعمال للحفاظ عليه وترميم عناصره المعمارية.

وشهد الباب أعمال ترميم خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم نُفذ مشروع للحفاظ عليه بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار ومركز البحوث الأمريكي في مصر، خلال الفترة من 1998 إلى 2003، بهدف معالجة المشكلات الإنشائية وترميم العناصر الحجرية والأبواب الخشبية والحديدية الضخمة.

وأسهمت أعمال الترميم في الحفاظ على هذا الأثر وإبراز قيمته المعمارية والتاريخية، ليظل واحدًا من أهم شواهد القاهرة الفاطمية والمملوكية.

باب زويلة.. حكاية مكان لم تغلق أبوابه أمام التاريخ

اليوم، لا يمثل باب زويلة مجرد أثر تاريخي يمر به الزائرون، بل يقدم رحلة حية عبر تاريخ القاهرة، من تأسيس المدينة الفاطمية وتحصين أسوارها، مرورًا بالعصر المملوكي وما شهده من تحولات معمارية وسياسية، وصولًا إلى جهود الحفاظ على التراث الإسلامي.

وبين برجيه ومئذنتيه ومدخله الحجري العتيق، يظل باب زويلة واحدًا من الأماكن التي تختصر تاريخ مدينة كاملة؛ فكل حجر فيه يحمل أثر مرحلة، وكل تفصيلة معمارية تروي جانبًا من حكاية القاهرة التي لم تتوقف عن صناعة التاريخ.

تم نسخ الرابط