الكاتب الجالس.. حين تحولت المعرفة إلى سلطة لا تموت
ليس ملكا يضع التاج، ولا إلهًا يعتلي العرش، ومع ذلك يجلس تمثال الكاتب الجالس داخل المتحف المصري الكبير بثقة توازي ثقة السلطة نفسها وفي صمت كامل، وبوضعية تبدو بسيطة، يروي هذا التمثال قصة فئة صنعت الدولة من خلف الكواليس: الكتبة.

تمثال الكاتب الجالس
يعرض المتحف المصري الكبير نماذج لتماثيل الكتبة ضمن سياق متكامل يشرح نشأة الإدارة المصرية القديمة، حيث لم تكن الدولة تُدار بالقوة وحدها، بل بالكلمة المكتوبة. الكاتب كان عين السلطة وذاكرتها؛ يسجل الضرائب، يحصي المحاصيل، يدوّن الأوامر الملكية، ويحفظ أسماء الناس وممتلكاتهم. ومن هنا جاءت خطورته.
اللافت في تماثيل الكتبة المعروضة هو الواقعية الصادمة،لا مثالية، لا جسد رياضي، بل إنسان حقيقي: بطن بارزة قليلًا، جسد مسترخٍ، لكن عينان يقظتان. العيون المصنوعة بدقة، والموجهة مباشرة إلى الأمام، تعكس حالة استعداد دائم، كأن الكاتب لا يتوقف عن العمل حتى بعد موته.
داخل سيناريو العرض، لا يُقدَّم الكاتب بوصفه مجرد موظف، بل كعنصر محوري في بناء الدولة. فالمتحف يربط بين هذه التماثيل وبين البرديات وأدوات الكتابة، ليؤكد أن السلطة في مصر القديمة كانت تبدأ من السطر الأول.
القصة غير المعروفة لكثير من الزوار أن الكاتب لم يكن محايدا، قلمه قادر على تغيير مصير إنسان، أو قرية كاملة لذلك خلد بتمثال يمنحه حضورًا أبديًا، وكأن المعرفة لا تموت، بل تراقب.
تمثال الكاتب الجالس داخل المتحف المصري الكبير لا يثير الإعجاب فقط، بل يطرح سؤالًا مقلقًا: من كان يحكم فعليًا… من جلس على العرش، أم من أمسك بالقلم





