أيقونة أثرية تتحدى الزمن
عمود السواري في الإسكندرية.. أطول نصب روماني باقي وشاهد على عظمة المدينة
يقف عمود السواري شامخًا في منطقة كرموز في محافظة الإسكندرية بوصفه واحدًا من أهم وأضخم المعالم الأثرية الباقية من العصر الروماني، ورغم تعدد الآثار التي تزخر بها المدينة، يظل العمود الأكثر إثارة للانتباه نظرًا لضخامته وقيمته التاريخية، ولأنه يُعد آخر الأعمدة التذكارية الرومانية الضخمة التي ما زالت مُحتفظة بكيانها الكامل حتى اليوم.
يبلغ ارتفاع العمود حوالي 26.85 مترًا، بما في ذلك القاعدة والتاج، وهو منحوت من كتلة واحدة من جرانيت أسوان الأحمر الذي اشتهر بقوته وصلابته وندرته، تم تشييده تكريمًا للإمبراطور الروماني دقلديانوس في نهاية القرن الثالث الميلادي، تقديرًا لدوره في إعادة الاستقرار إلى الإسكندرية بعد اضطرابات سياسية شهدتها المدينة في ذلك الوقت.

جزء من معبد السيرابيوم العظيم
يقع العمود في موقع كان يحتضن قديمًا معبد السيرابيوم، أحد أضخم وأشهر المعابد في الإسكندرية خلال الفترة الهلنستية والرومانية، والمخصص لعبادة الإله سيرابيس، الذي جمع بين عناصر من المعبودات المصرية واليونانية، وعلى الرغم من أن المعبد نفسه لم يبقَ منه سوى أجزاء قليلة، فإن عمود السواري ظلّ قائمًا كأبرز شاهد على عظمة هذا المبنى الذي كان يُعد مركزًا دينيًا وثقافيًا مهمًا في المدينة.
وفي محيط العمود تنتشر عدة آثار مهمة، منها تمثالان لأبي الهول من الجرانيت الوردي يعودان إلى عصر البطالمة، بالإضافة إلى تماثيل أخرى من فترات مختلفة، مما يعكس تنوع الحقب التاريخية التي شهدها الموقع.
سر تسمية «عمود السواري»
اكتسب العمود هذا الاسم في العصر العربي الإسلامي، ويُرجح أن أصل التسمية جاء من تشبيه العرب القدماء له بـ“صواري السفن” نظرًا لارتفاعه الضخم وبروزه بين الأطلال المحيطة، فقد كان العمود يبدو وكأنه صاري سفينة عملاقة تشق أفق الإسكندرية القديمة، ما جعل الاسم يلازمه حتى يومنا هذا.

موقع أثري متكامل يجذب آلاف الزوار
تُعد المنطقة المحيطة بعمود السواري من أهم المواقع الأثرية في الإسكندرية، حيث تضم آثارًا من عصور مختلفة، ما يجعلها مقصدًا رئيسيًا للسياح والباحثين وطلاب المدارس، ويستمتع الزائر بالتجول في ساحة العمود الواسعة التي تتيح رؤية كاملة لضخامته وللتفاصيل الدقيقة في نحته، إلى جانب مشاهدة التماثيل والقطع الأثرية المتنوعة المحيطة به.
وتعمل الجهات المختصة على تطوير المنطقة باستمرار، من خلال تحسين أساليب العرض المتحفي المفتوح، وتوفير مسارات للزيارة ولوحات إرشادية، في إطار الاهتمام بالسياحة الثقافية وتعزيز مكانة الإسكندرية كوجهة تاريخية عالمية.
تجربة لا تُنسى في قلب الإسكندرية
زيارة عمود السواري ليست مجرد مشاهدة لنصب أثري، بل هي رحلة تاريخية عبر آلاف السنين، يتعرف خلالها الزائر على حقبة مهمة من تاريخ المدينة، وعلى مزيج فريد من الثقافات المصرية واليونانية والرومانية التي شكّلت هوية الإسكندرية.
وبينما يقف العمود صامدًا أمام الزمن، فإنه يذكرنا بأن المدينة التي أنجبت أعظم مكتبات العالم وأبرز العلماء ما زالت تحتفظ بكنوزها، وأن الإسكندرية ستظل دائمًا مدينة للتاريخ والبحر والحضارة.


