سور مجرى العيون معلم حضاري بين التاريخ والتحديث
سور مجرى العيون.. عبقرية هندسية وتحولات معاصرة في قلب القاهرة
يعتبر سور مجرى العيون واحدًا من أهم المعالم التاريخية في شرق القاهرة، ويعد شاهدًا حيًا على عبقرية المهندسين المصريين في العصور الإسلامية، هذا السور لم يكن مجرد بناء هندسي، بل كان بمثابة خط دفاعي لحماية القناة المائية التي كانت تعتبر شريان الحياة للعديد من المناطق الزراعية في القاهرة القديمة.
تم إنشاء السور منذ العصور الإسلامية في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، حيث كانت القناة، التي يمر عبرها مجرى العيون، تنقل مياه نهر النيل إلى الأراضي الزراعية في منطقتي المطرية والعباسية، لتدعيم الزراعة في تلك المناطق، وبذلك، لعب السور دورًا مهمًا في ضمان وصول المياه إلى الأراضي الزراعية التي كانت تعتمد عليها القاهرة في تأمين احتياجاتها الغذائية.
الوظيفة الهندسية للسور
يمتد سور مجرى العيون على طول القناة، وكان تصميمه يتسم بالذكاء والابتكار، السور تم بناؤه من الحجر والطوب، وله أبراج ومصاطب للمراقبة والتمكن من مراقبة تدفق المياه والسيطرة على أي فيضانات مفاجئة، كما كان السور بمثابة درع واقٍ ضد التعديات على القناة ومنع تسرب المياه التي كانت تستخدم بشكل دوري من قبل الفلاحين.
هذه الهندسة المعمارية كانت ضرورية لاستقرار المنطقة، حيث كان السور يعمل على تنظيم تدفق المياه، وضمان عدم تلوثها، وبالتالي حماية الأراضي الزراعية في المناطق المحيطة بالقناة، كما كان السور يوفر حمايةً اجتماعية، حيث يمنع غرق الأحياء السكنية والتعديات على الأراضي.

أهمية السور اليوم
اليوم، يُعد سور مجرى العيون أحد معالم القاهرة التاريخية التي تجذب المهتمين بالتراث الهندسي والمعماري، المنطقة المحيطة بالسور أصبحت وجهة سياحية مهمة، حيث يتوافد إليها الزوار من داخل وخارج مصر للتعرف على تفاصيل هذا المعلم العظيم، كما أن المنطقة أصبحت جزءًا من مشروعات الدولة لتطوير المنطقة التاريخية للقاهرة، والتي تهدف إلى الحفاظ على التراث القديم وتعزيزه.
منطقة سور مجرى العيون تضم العديد من المواقع الأثرية الأخرى التي تجعل من الزيارة تجربة فريدة، حيث يمكن للزوار استكشاف القنوات القديمة، والأبراج والمصاطب، والبيئة المحيطة، وتهدف الحكومة إلى إحياء المنطقة ليتمكن السياح من الاستمتاع بمزيج فريد بين التاريخ والحياة اليومية، من خلال إعادة تأهيل المنطقة وتنظيم مسارات سياحية وأماكن للتنزه.

التحولات الحالية في سور مجرى العيون
في السنوات الأخيرة، أصبحت منطقة سور مجرى العيون في القاهرة محط اهتمام خاص من قبل الحكومة والهيئات السياحية في مصر، في إطار مشروع القاهرة التاريخية، تم إطلاق عدة مبادرات لتطوير المنطقة وجعلها أكثر جذبًا للزوار والسكان المحليين على حد سواء.
أحد أكبر التحولات التي يشهدها سور مجرى العيون في الوقت الحالي هو إخلاء المنطقة من المصانع والورش الثقيلة التي كانت تلوث البيئة، مثل مدابغ الجلود الموجودة بالقرب من السور، هذه الصناعات تم نقلها إلى مدينة الروبيكي، خارج القاهرة، كجزء من خطة الحكومة لتحسين البيئة الحضرية.
كما تم إزالة بعض المناطق العشوائية التي كانت تشغل الأراضي المحيطة بالسور، يتم نقل السكان إلى مشروع "أرض الخيالة" الذي يقع في مكان آخر لتوفير وحدات سكنية أكثر تطورًا وملائمة للسكان، تلك التحولات تهدف إلى حماية التراث مع توفير بيئة حضرية أفضل للسكان.
مشروع "أرابيسك" تحويل المنطقة إلى وجهة سياحية وثقافية
تشهد المنطقة أيضًا مشروع تطوير شامل يحمل اسم "أرابيسك"، والذي يهدف إلى تحويل منطقة سور مجرى العيون إلى وجهة سياحية وثقافية بامتياز، يشمل المشروع إنشاء مرافق خدمية وتجارية وفندقية، بالإضافة إلى مساحات خضراء واسعة وممرات مشاة، بحيث تتحول المنطقة إلى واحدة من أجمل مناطق القاهرة التي تجمع بين التاريخ والحياة العصرية.
سيتم تطوير المنطقة بحيث تضم مقاهي ومطاعم ومراكز ثقافية، فضلاً عن مكتبات ومعارض للفنون، مما يجعلها مكانًا ملائمًا للزوار المحليين والدوليين، بالإضافة إلى ذلك سيستفيد السياح من وجود مواقع ترفيهية ومرافق تفاعلية تتيح لهم التعرف على تاريخ المنطقة وأهميتها في الحياة اليومية للمصريين.
التراث المستمر عبقرية المصريين القدماء
يبقى سور مجرى العيون بمثابة دليل حي على عبقرية المصريين القدماء في استخدام الموارد الطبيعية بشكل فعال، حيث يشكل جزءًا من خطة مصر للحفاظ على التراث وتعزيزه، كما أن المشروع الحالي لا يقتصر فقط على الحفاظ على السور، بل يسعى لإعطاءه حياة جديدة من خلال الاستفادة من التحولات الحضرية التي تساعد في تحسين الحياة في المنطقة المحيطة به.
مع التطوير الجاري، يستمر سور مجرى العيون في أن يكون شاهدًا على التاريخ المصري، وفي ذات الوقت رمزًا للتحولات الاجتماعية والعمرانية الحديثة التي تواكب احتياجات المدينة في العصر الحديث.


