مقابر الكومنولث في بورسعيد.. حكاية جنود عبروا قناة السويس ولم يعودوا
المحتويات
في مدينة ارتبط اسمها بقناة السويس وحركة السفن والمسافرين بين الشرق والغرب، تحتفظ بورسعيد بجانب آخر من تاريخها لا يظهر في صخب الميناء، حيث تمتد مقابر تضم رفات جنود سقطوا خلال الحربين العالميتين، وتحولت مواقع دفنهم إلى صفحات مفتوحة من تاريخ القرن العشرين.
وتضم المنطقة المحيطة ببورسعيد ثلاثة مواقع تابعة للجنة مقابر حرب الكومنولث، من بينها مقبرة بورسعيد التذكارية للحرب، التي تضم 1,104 مدافن حربية لجنود من جنسيات متعددة، إلى جانب مقبرة بورسعيد الإسلامية المدنية التي تضم 33 مدفنًا، والمقبرة البريطانية البروتستانتية التي تضم 6 مدافن.
بورسعيد.. مدينة تحولت إلى مركز طبي خلال الحرب العالمية الأولى

لم يكن وجود هذه المقابر في بورسعيد مصادفة، فالمدينة لعبت دورًا مهمًا خلال الحرب العالمية الأولى بسبب موقعها عند الطرف الشمالي لقناة السويس.
وبحسب لجنة مقابر حرب الكومنولث، تحولت بورسعيد إلى مركز مهم للمستشفيات خلال الحرب العالمية الأولى، واستقبلت بين مايو ونوفمبر 1915 مصابين قادمين من جبهة جاليبولي، ثم استقبلت لاحقًا جرحى من العمليات العسكرية في مصر وفلسطين.
ومع تطور الدور الطبي للمدينة، شهدت بورسعيد وجود عدد من الوحدات والمستشفيات العسكرية، من بينها مستشفى نيوزيلندي ثابت ومستشفى أسترالي عام، لتصبح المدينة محطة علاجية مهمة للجنود المصابين.
وهكذا لم تكن بورسعيد مجرد نقطة عبور على طريق الحرب، وإنما أصبحت أيضًا مكانًا وصل إليه جنود جرحى بحثًا عن العلاج، قبل أن تنتهي حياة بعضهم على أرضها.
1104 مدافن.. أسماء من دول مختلفة

تروي مقبرة بورسعيد التذكارية للحرب قصة متعددة الجنسيات؛ فالمدافن الموجودة بها لا تضم جنودًا من دولة واحدة، وإنما تعكس اتساع نطاق القوات التي شاركت في الحربين العالميتين.
وتضم المقبرة مدافن لجنود من أستراليا وكندا وألمانيا والهند وأيرلندا وإسرائيل وكينيا وميانمار ونيوزيلندا ونيجيريا وجنوب إفريقيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وزيمبابوي، وفق بيانات لجنة مقابر حرب الكومنولث.
وهذه التعددية تجعل المقبرة أشبه بخريطة بشرية للحروب العالمية، حيث تتجاور أسماء وجنسيات مختلفة في مكان واحد، بعدما جمعتهم ظروف الحرب ثم جمعتهم الأرض المصرية بعد الوفاة.
الحرب العالمية الثانية تعود إلى المشهد

لم يتوقف ارتباط بورسعيد بالمقابر العسكرية عند الحرب العالمية الأولى. فخلال الحرب العالمية الثانية، أصبحت المدينة مقرًا قطاعيًا للدفاع الجوي عن قناة السويس، بينما دُفنت غالبية ضحايا تلك الفترة بعد وفاتهم في المستشفيات ومعسكر للعبور بالمنطقة، قبل أن تُنقل بعض المدافن لاحقًا من مقابر أخرى إلى المواقع الموجودة في بورسعيد.
وتكشف هذه التفاصيل عن أهمية المدينة الاستراتيجية خلال الحرب العالمية الثانية، خاصة مع ارتباطها المباشر بقناة السويس، التي كانت واحدة من أهم طرق الملاحة والاتصال بين مناطق العالم المختلفة.
مقبرة إسلامية وأخرى بروتستانتية

ولا تقتصر مواقع الدفن المرتبطة بالكومنولث في بورسعيد على المقبرة التذكارية الرئيسية.فبحسب لجنة مقابر حرب الكومنولث، تضم مقبرة بورسعيد الإسلامية المدنية 33 مدفنًا حربيًا، يعود أصحابها إلى الهند، بينما تضم مقبرة بورسعيد البريطانية البروتستانتية 6 مدافن لأشخاص من هولندا والمملكة المتحدة.
وتمنح هذه المواقع الثلاثة صورة أكثر اتساعًا عن طبيعة القوات والأفراد الذين مروا ببورسعيد خلال سنوات الحرب، وتوضح كيف انعكست الأحداث العسكرية العالمية على المدينة وسكانها ومؤسساتها الطبية.
لماذا اختيرت بورسعيد؟

الإجابة تبدأ من الجغرافيا.فبورسعيد تقع عند المدخل الشمالي لقناة السويس، وهو موقع منحها أهمية استراتيجية كبيرة في فترات الصراع العالمي، وجعلها مرتبطة بحركة القوات والإمدادات والمصابين.
كما أن وجود المستشفيات والوحدات الطبية خلال الحرب العالمية الأولى جعل المدينة مكانًا طبيعيًا لدفن عدد من الجنود الذين توفوا متأثرين بإصاباتهم أو خلال فترة علاجهم.
وبمرور الوقت، أصبحت المقابر جزءًا من المشهد التاريخي للمدينة، تحمل أسماء أشخاص جاءوا إليها من أماكن بعيدة ولم يغادروها.
ذاكرة الحرب على أرض مصرية

وتتولى لجنة مقابر حرب الكومنولث رعاية مواقع دفن أفراد قوات الكومنولث الذين توفوا خلال الحربين العالميتين، في إطار مهمة تشمل الحفاظ على المقابر والنصب التذكارية وتوثيق أسماء من قضوا في تلك الحروب. وتؤكد اللجنة أن عملها يمتد إلى مواقع في أنحاء واسعة من العالم، مع استمرار رعاية المقابر والحفاظ على الطابع التاريخي والمعماري لها.
وفي بورسعيد، تبدو هذه المهمة أكثر من مجرد رعاية لقبور قديمة؛ فكل شاهد قبر يحمل اسمًا وتاريخًا ووحدة عسكرية، بينما تكشف المجموعة كاملة عن جانب من تاريخ المدينة خلال أكثر الفترات اضطرابًا في القرن العشرين.
من قناة السويس إلى المقابر.. تاريخ لا يزال حاضرًا

وراء كل مقبرة في بورسعيد حكاية مرتبطة بمرحلة كان فيها العالم يعيش حربين عالميتين غيرتا خريطة السياسة والمجتمعات.
فالمدينة التي كانت تستقبل السفن العابرة للقناة، استقبلت أيضًا جرحى الحرب، وشهدت وجود مستشفيات ووحدات عسكرية، ثم احتفظت في أرضها بمدافن من جنسيات متعددة.
ولهذا لا تبدو مقابر الكومنولث في بورسعيد مجرد مواقع للدفن، وإنما شاهدًا تاريخيًا على الدور الذي لعبته المدينة وقناة السويس في زمن الحروب العالمية، وعلى الطريقة التي تركت بها تلك الصراعات آثارها في مدن بعيدة عن ساحات المعارك الرئيسية.
وبين شواهد القبور وأسماء الجنود، تبقى بورسعيد محتفظة بجزء من ذاكرة عالمية تشكلت على أرض مصر، وتروي بعد مرور أكثر من قرن قصة مدينة كانت في قلب حركة العالم، حتى في أكثر سنواته اضطرابًا.
- # مقابر الكومنولث
- # مقابر الكومنولث في بورسعيد
- # مقابر حرب الكومنولث
- # مقبرة بورسعيد التذكارية للحرب
- # بورسعيد
- # تاريخ بورسعيد
- # قناة السويس
- # الحرب العالمية الأولى
- # الحرب العالمية الثانية
- # جنود الحرب العالمية الأولى
- # جنود الحرب العالمية الثانية
- # مقابر الجنود
- # المقابر الحربية
- # لجنة مقابر حرب الكومنولث
- # CWGC
- # التراث التاريخي
- # المواقع التاريخية في بورسعيد
- # آثار الحرب العالمية
- # التاريخ العسكري
- # الجنود البريطانيون
- # الجنود الأستراليون
- # الجنود الهنود
- # الجنود النيوزيلنديون
- # المقابر البريطانية في مصر
- # المستشفيات العسكرية في بورسعيد
- # جاليبولي
- # تاريخ قناة السويس
- # بورسعيد القديمة
- # السياحة التاريخية
- # السياحة التراثية
- # ذاكرة الحروب
- # شواهد القبور