رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

«أسرو» ليست وحدها.. أين توجد المومياوات المصرية خارج مصر؟

Go Egypia

من «رجل جبيلين» في لندن إلى «خا» و«ميريت» في تورينو.. مومياوات مصرية ورفات بشرية خارج البلاد، وقرار «أسرو» يعيد فتح ملف التعامل مع الموتى المصريين

لم تكن المومياء المصرية «أسرو» حالة منفردة في المتاحف العالمية، لكنها أصبحت واحدة من أبرز الحالات التي أعادت طرح سؤال شائك يتجاوز حدود متحف مانشستر: أين توجد المومياوات المصرية خارج مصر؟ وكيف وصلت إلى تلك المؤسسات؟ وهل تغيرت نظرة المتاحف العالمية إلى عرض أجساد الموتى أمام الجمهور؟

ففي سبتمبر 2026، أنهى متحف مانشستر عرض جسد «أسرو» بعد نحو 200 عام، وأعادها إلى داخل تابوتها الخارجي المغلق، في قرار قال المتحف إنه يستند إلى مراجعة أخلاقية لطريقة التعامل مع الرفات البشرية، وإلى ما يفهمه من المعتقدات الجنائزية المصرية القديمة. وأصبحت «أسرو» الآن محفوظة داخل مخازن المتحف، داخل تابوتها الخارجي المغلق.

لكن قصة «أسرو» لا تبدأ وتنتهي في مانشستر، بل تفتح نافذة على خريطة أوسع لمومياوات مصرية ورفات بشرية محفوظة في مؤسسات خارج البلاد.

«أسرو».. المصرية التي عاشت قرابة 2700 عام

Un musée britannique demande à ses visiteurs s’il faut exposer une momie

عاشت «أسرو» في جنوب مصر وتوفيت نحو 700 قبل الميلاد، ويرجح أنها دُفنت في طيبة القديمة، أي منطقة الأقصر حاليًا.

وتحمل توابيتها اسمها وأسماء والديها؛ فوالدها «با-كوش» كان مسؤولًا مهمًا، بينما كانت والدتها «تادي آمون». وبعد اكتشاف مقبرتها، انتقلت المومياء والتوابيت إلى أوروبا، واشترتها عائلة جارنت في أوائل القرن التاسع عشر قبل إهدائها إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي عام 1825.

وفي أبريل من العام نفسه، فُكّت لفائف «أسرو» أمام الجمهور في مانشستر، لتظل مومياؤها معروضة بصورة شبه متواصلة لمدة تقارب قرنين.

أما اليوم، فقد تغيرت طريقة التعامل معها؛ إذ قرر المتحف إبقاء جسدها داخل تابوتها المغلق، مؤكدًا أن الهدف هو إعادة قدر من الخصوصية والكرامة إلى صاحبة المومياء.

بريطانيا.. «رجل جبيلين» شاهد على مصر ما قبل الأسرات

BRITAIN-MUSEUM-MUMMIES-EXHIBITION

في المتحف البريطاني بلندن توجد واحدة من أشهر المومياوات المصرية القديمة، وهي المعروفة باسم «رجل جبيلين» (Gebelein Man).

وهو رجل مصري عاش خلال عصر ما قبل الأسرات، ويرجع تأريخه بالكربون المشع إلى نحو 3341–3017 قبل الميلاد. عُثر عليه في منطقة جبيلين بصعيد مصر، وحُفظ جسده طبيعيًا بفعل دفنه في الرمال الجافة.

وأظهرت الفحوص الحديثة، ومن بينها التصوير المقطعي، أنه توفي شابًا، وأنه تعرض لطعنة قاتلة في الظهر. كما كشفت الدراسات عن وشم يصور حيوانين ذوي قرون على ذراعه. ويحتفظ المتحف البريطاني بالمومياء ضمن مجموعته ويعرضها في قاعة مصر القديمة.

وتكشف حالة «رجل جبيلين» كيف تحولت المومياء من جسد محفوظ إلى مصدر للمعلومات العلمية عن حياة المصريين القدماء، من العمر والإصابات إلى العادات الجسدية.

المتحف البريطاني.. مئات الأسئلة حول المومياوات المصرية

لا تقتصر المومياوات المصرية في بريطانيا على «رجل جبيلين», فالمتحف البريطاني يضم مجموعة واسعة من المومياوات والرفات البشرية المصرية، ويخصص قاعات لعرض المومياوات والتوابيت والأقنعة الجنائزية، كما يستخدم تقنيات التصوير الحديثة لدراسة الرفات دون الحاجة إلى فك اللفائف. ويؤكد المتحف أن دراسة هذه البقايا تساهم في مجالات مثل علم الآثار، والأنثروبولوجيا، والبيولوجيا البشرية، وتاريخ الأمراض وعلم الوراثة.

واللافت أن المتحف لا يعرض بالضرورة كل ما يمتلكه من رفات بشرية؛ فوجود المومياء ضمن مجموعة مؤسسة متحفية لا يعني تلقائيًا أنها معروضة أمام الجمهور.

تورينو.. «خا» و«ميريت» في إيطاليا

Kha e Merit, una coppia per l’eternità al Museo Egizio di Torino: una storia tutta da scoprire - Turismo Italia News

ومن بريطانيا ننتقل إلى إيطاليا، حيث يحتفظ متحف المصريات في تورينو بمجموعات شهيرة من المومياوات المصرية.

ومن أبرزها مومياوات «خا» و«ميريت»، الزوجين اللذين عاشا في عصر الدولة الحديثة في دير المدينة، بالقرب من طيبة القديمة.

كان «خا» مديرًا للأعمال، وارتبط عمله بتشييد المقابر الملكية، بينما عُرفت «ميريت» باعتبارها «سيدة المنزل». وقد اكتُشفت مقبرتهما سليمة تقريبًا عام 1906 بواسطة عالم الآثار الإيطالي إرنستو شياباريللي، وانتقلت محتوياتها إلى متحف المصريات في تورينو، حيث لا تزال محفوظة.

وتؤكد قاعدة بيانات المتحف وجود مومياء ميريت ضمن مجموعاته، ويرتبط سجلها بمقبرة «خا» في دير المدينة، كما تشير المصادر العلمية للمتحف إلى دراسات بالأشعة المقطعية وإعادة البناء ثلاثي الأبعاد لمومياء «خا» و«ميريت».

ويعلن متحف تورينو حاليًا عن وجود 24 مومياء بشرية معروضة ضمن مساره المتحفي، ما يجعله واحدًا من أهم المواقع العالمية لدراسة وعرض المومياوات المصرية.

فرنسا.. مومياوات وأسماء مصرية داخل اللوفر

La célèbre momie du Louvre sur le point d'être rendue aux Egyptiens ?

وفي باريس، يحتفظ متحف اللوفر بمومياوات مصرية ضمن قسم الآثار المصرية, وتظهر قاعدة البيانات الرسمية للمتحف عددًا من المومياوات المسجلة بأسمائها أو المرتبطة بتوابيتها، ومنها مومياء «مهت أوسخِت» (Mehytousekhet)، وهي مومياء من العصر البطلمي عُثر عليها في أخميم بصعيد مصر، وتوجد ضمن مجموعات اللوفر، لكنها غير معروضة حاليًا.

كما يحتفظ اللوفر بمومياء رجل من العصر البطلمي، تحمل السجلات اسم «باشيريمين» (Pacherimin)، إلى جانب مومياوات أخرى مرتبطة بتوابيت ومواد جنائزية مصرية.

وتوضح سجلات اللوفر أن بعض المومياوات المصرية الموجودة في مجموعاته محفوظة بعيدًا عن العرض، وهو ما يؤكد أن وجود الرفات في المتحف لا يعني بالضرورة أن الجسد مكشوف أمام الزوار.

من «أسرو» إلى «رجل جبيلين».. لماذا بقيت المومياوات خارج مصر؟

لا توجد قصة واحدة تنطبق على جميع المومياوات المصرية الموجودة في الخارج.

فقد خرجت بعض الآثار والرفات في سياق الحفائر والبعثات الأجنبية، بينما انتقلت قطع أخرى عبر التجار والجامعين، وفي حالات أخرى ارتبط خروج المكتشفات بالأنظمة والقوانين التي كانت سائدة في مصر خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ويشير متحف مانشستر نفسه إلى أن الحكومة المصرية الواقعة تحت السيطرة الأوروبية بعد الاحتلال البريطاني عام 1882 سمحت لعلماء آثار أجانب بتصدير بعض المكتشفات التي عُثر عليها في مصر والسودان، وهو ما ساهم في تكوين مجموعات ضخمة في المؤسسات الغربية.

أما «أسرو» تحديدًا، فلا يعرف المتحف على وجه اليقين ما إذا كان الأخوان جارنت قد حصلا عليها مباشرة من مصر أم اشترياها عبر مركز تجاري مثل إزمير في تركيا الحالية.

المومياء ليست مجرد قطعة أثرية

Guide To Visiting The British Museum With Kids: What To See | La Jolla Mom

القضية الأكثر حساسية لا تتعلق بمكان المومياء فقط، وإنما بكيفية التعامل معها.

فالمصري القديم لم ينظر إلى جسده بعد الموت باعتباره قطعة للعرض، بل كان التحنيط جزءًا من منظومة دينية وطقسية مرتبطة بفكرة الحياة الأخرى.

وهنا ظهر التناقض الذي تواجهه المتاحف الحديثة: فمن ناحية، توفر المومياء فرصة نادرة لدراسة حياة إنسان عاش قبل آلاف السنين؛ ومن ناحية أخرى، فهي في النهاية رفات بشرية.

وتوضح تجربة «رجل جبيلين» أهمية الجانب العلمي؛ فقد استطاع العلماء باستخدام الأشعة المقطعية دراسة جسده ومعرفة إصابته القاتلة دون تفكيك المومياء.

هل يمكن دراسة المومياوات دون عرضها؟

هذا هو السؤال الذي يبدو أنه سيزداد أهمية خلال السنوات المقبلة, فالتكنولوجيا الحديثة تسمح بدراسة المومياوات عبر الأشعة المقطعية والمسح ثلاثي الأبعاد والتحليل العلمي، دون الحاجة في كثير من الحالات إلى فك اللفائف أو التعامل المباشر مع الجسد.

وهكذا يمكن للمتحف أن يحافظ على القيمة العلمية للمومياء، مع تقليل الحاجة إلى عرض جسد المتوفى بصورة مباشرة.

وهو ما يجعل قرار مانشستر بشأن «أسرو» جزءًا من تحول أوسع في فلسفة المتاحف، وليس مجرد تغيير في طريقة عرض قطعة واحدة.

هل تعود المومياوات المصرية إلى مصر؟

هنا تتداخل قضية الرفات البشرية مع ملف استرداد الآثار المصرية, لكن من المهم عدم وضع جميع المومياوات في سلة واحدة؛ فكل حالة لها تاريخ اقتناء مختلف، وسياق قانوني مختلف، وطريقة مختلفة لخروجها من مصر.

ولهذا فإن السؤال حول عودة المومياوات إلى مصر يحتاج إلى دراسة كل مومياء على حدة، بدءًا من مكان اكتشافها، مرورًا بظروف انتقالها، وانتهاءً بالجهة التي تملكها حاليًا والأساس القانوني لوجودها خارج البلاد.

«أسرو».. بداية تغيير في طريقة النظر إلى الموتى

Altes Ägypten neu inszeniert

ربما لا يكون الأثر الأهم لقصة «أسرو» هو اختفاؤها من قاعة العرض، وإنما أنها أعادت الإنسان إلى قلب النقاش.

فـ«أسرو» ليست مجرد مومياء عمرها آلاف السنين، و«رجل جبيلين» ليس مجرد جسم محفوظ في الرمال، و«خا» و«ميريت» ليسا مجرد عنصرين في مجموعة أثرية.

إنهم أشخاص عاشوا في مصر القديمة، وكانت لهم عائلات ومعتقدات وحياة كاملة، قبل أن تتحول أجسادهم بعد آلاف السنين إلى موضوع للبحث والعرض المتحفي.

ولهذا يبدو السؤال الذي يواجه المتاحف العالمية اليوم أكثر عمقًا من مجرد: أين توجد المومياوات المصرية؟

السؤال الحقيقي هو:

كيف نحافظ على العلم والتاريخ، دون أن نفقد احترام الإنسان الذي يحمل هذا التاريخ في جسده؟

تم نسخ الرابط