رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بعد زيارة سفيرة الاتحاد الأوروبي.. هل حان وقت الاستثمار في التراث الرشيدي؟

Go Egypia

جاءت زيارة أنجلينا أيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، إلى رشيد بمحافظة البحيرة، لتسلط الضوء على قيمة المدينة التاريخية وما تمتلكه من مبانٍ أثرية وتراث معماري يمكن أن يتحول من مجرد شواهد على الماضي إلى محرك للتنمية والسياحة والاقتصاد المحلي.

لم تعد حماية التراث في مدينة رشيد مجرد معركة للحفاظ على مبانٍ قديمة أو ترميم واجهات تاريخية، فالمشهد الذي ظهر خلال زيارة أنجلينا أيخهورست، سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى مصر، يطرح سؤالًا أكبر: هل تستطيع المدينة أن تحول ما تملكه من ثروة تاريخية ومعمارية إلى مورد اقتصادي مستدام يستفيد منه سكانها؟

زيارة السفيرة إلى عدد من المواقع الأثرية والتراثية برشيد جاءت للتعرف على كنوز المدينة وتعزيز فرص التعاون السياحي، فيما أكدت محافظة البحيرة أن رشيد تمتلك مقومات تؤهلها لتكون متحفًا مفتوحًا يجمع بين التاريخ والسياحة والتنمية الاقتصادية.

وهنا تبدو القضية أبعد من زيارة رسمية أو جولة في بيت أثري؛ فالسؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث بعد انتهاء الزيارة؟ وكيف تتحول هذه الرؤية إلى مشروع اقتصادي يعيش مع المدينة وأهلها؟

رشيد.. مدينة تملك ما يكفي لصناعة منتج سياحي

سفيرة الاتحاد الأوروبي أنجلينا إيخهورست في زيارة تاريخية لمدينة #رشيد رفقة الدكتورة جاكلين عازر محافظ البحيرة 🔥🔥 بجد حاجة في منتهى الجمال 🫡❤️

تمتلك رشيد رصيدًا نادرًا من العمارة التاريخية، إذ تشير قائمة اليونسكو للتراث العالمي المؤقتة إلى أن المدينة كانت تضم عشرات المنازل التاريخية، ولم يتبق منها اليوم سوى 22 منزلًا أثريًا، إلى جانب المساجد والمنشآت التاريخية وبقايا الميناء والقلعة والنسيج العمراني القديم.

وهذا يعني أن السائح الذي يأتي إلى رشيد لا يحتاج إلى زيارة مبنى منفرد ثم المغادرة، وإنما يمكن أن يعيش تجربة كاملة داخل مدينة تاريخية؛ يبدأها من أحد المواقع الأثرية، ثم ينتقل بين البيوت والمساجد والشوارع القديمة، ويتعرف على الحرف التقليدية، وينهي رحلته عند النيل أو الميناء.

الفكرة إذن ليست في عدد المباني التي جرى ترميمها فقط، وإنما في تحويل مجموعة هذه العناصر إلى منتج سياحي متكامل.

بيت الأمصيلي.. نموذج لما يمكن أن يحققه الترميم

يأتي بيت الأمصيلي في مقدمة النماذج التي تكشف الإمكانات التي يمكن أن يحملها التراث الرشيدي.

فالبيت، الذي يرجع إلى العصر العثماني، يمثل نموذجًا مميزًا للعمارة الإسلامية في المدينة، ويتميز بالعناصر الخشبية والمشربيات والتفاصيل المعمارية النادرة.

وفي أغسطس 2026، جرى تفقد أعمال ترميم البيت ضمن مشروعات التنمية الاستراتيجية في رشيد، مع التأكيد على أن الحفاظ على المواقع التاريخية بالتوازي مع تطوير البنية الأساسية يمكن أن يدعم السياحة ويحافظ على التراث ويسهم في التنمية الاقتصادية المستدامة.

وهنا تظهر المعادلة الأهم: الترميم لا ينبغي أن تكون نهايته مبنى جميلًا مغلقًا، وإنما مبنى حيًا داخل دورة اقتصادية وثقافية.

من المبنى الأثري إلى الاقتصاد المحلي

يمكن للتراث أن يخلق سلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية حوله.

فكل زيادة في أعداد الزائرين تعني احتياجًا إلى مرشدين، وأماكن إقامة، ومطاعم، ووسائل انتقال، ومنتجات تذكارية، وحرف يدوية، وخدمات ثقافية، إضافة إلى فرص أمام المصورين والحرفيين وأصحاب المشروعات الصغيرة.

وبالتالي فإن الاستثمار في التراث لا يعني بالضرورة تحويل المباني الأثرية إلى مشروعات تجارية مباشرة، وإنما يعني بناء اقتصاد محلي كامل يستفيد من وجود هذه المباني ويحافظ في الوقت نفسه على قيمتها التاريخية.

وهذه النقطة تحديدًا تجعل الحرف التراثية جزءًا أساسيًا من المعادلة، لأنها تستطيع أن تربط السائح بالمجتمع المحلي بدل أن تظل الزيارة محصورة داخل الأسوار الأثرية.

«المتحف المفتوح».. هل تحتاج رشيد إلى مسار سياحي متكامل؟

إذا كانت المحافظة تستهدف إعادة إحياء القلب التاريخي لرشيد وتحويل المدينة إلى مركز جذب سياحي واقتصادي، فإن إحدى الخطوات الأكثر تأثيرًا قد تتمثل في تصميم مسار سياحي واضح ومتكامل داخل المدينة.

مسار يبدأ من نقطة استقبال واضحة، ويمر على أهم البيوت الأثرية والمساجد والمواقع التاريخية، ويقدم للزائر معلومات مبسطة عن كل موقع، ثم يربطه بالحرف والأطعمة والمنتجات المحلية.

وبدل أن يسأل الزائر: «ماذا يمكنني أن أرى في رشيد؟»، يصبح أمامه برنامج واضح: رحلة في مدينة عمرها قرون.

التوثيق.. الخطوة التي تسبق الاستثمار

من قلب مدينة رشيد .. حيث يلتقي التاريخ بآفاق التنمية .. محافظ البحيرة وسفيرة الإتحاد الأوروبي تتفقدان عدداً من المواقع الأثرية لتعزيز الإستفادة من المقومات التاريخية والتراثية للمدينة البحيرة - المكتب الإعلامي

لكن الاستثمار في التراث يحتاج أولًا إلى معرفة دقيقة بما تمتلكه المدينة.ولهذا تكتسب مذكرة التفاهم التي شهدها رئيس الوزراء في يونيو 2026 أهمية خاصة، والتي تستهدف توثيق وإدارة التراث الثقافي والمعماري والأثري في رشيد، بمشاركة محافظة البحيرة وجامعة الإسكندرية ومكتبة الإسكندرية وشركة المقاولون العرب. ويستهدف المشروع توفير قاعدة علمية وعملية لدعم جهود الحفاظ على التراث.

فلا يمكن إدارة مورد اقتصادي بكفاءة من دون حصره وتوثيقه وفهم حالته واحتياجاته.

ومن هنا يمكن أن يصبح التوثيق الرقمي للبيوت والمواقع بداية لخريطة إلكترونية، ومسارات سياحية، ومحتوى تعريفي، وقاعدة بيانات للباحثين والمستثمرين والجهات المعنية.

البنية الأساسية هي نصف الحكاية

الزائر لا يبحث عن أثر فقط؛ بل يبحث عن تجربة سهلة ومريحة.

ولهذا فإن تطوير الطرق والخدمات ومواقف السيارات والنظافة والإرشاد السياحي ودورات المياه وأماكن الجلوس والخدمات الرقمية، يمثل جزءًا لا ينفصل عن الاستثمار في التراث.

وهذا ما يجعل تطوير ميناء رشيد والبنية الأساسية للمدينة ذا صلة مباشرة بالمشهد السياحي؛ فمشروعات تطوير الميناء التي تبلغ تكلفتها نحو 700 مليون جنيه تستهدف أيضًا دعم الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل، فيما جرى ربط الحفاظ على المواقع التاريخية بتحسين البنية الأساسية والتنمية الاقتصادية المستدامة.

هل يستطيع القطاع الخاص الدخول؟

ربما تكون الخطوة التالية هي التفكير في كيفية جذب القطاع الخاص، ولكن دون السماح بتحويل التراث إلى نشاط تجاري يفقد المدينة هويتها.

يمكن أن تكون هناك فرص في الإقامة التراثية، والمطاعم ذات الطابع المحلي، والمتاجر المتخصصة في الحرف، والجولات الثقافية، والمنتجات المستوحاة من تاريخ رشيد، والخدمات الرقمية والتجارب السياحية.

لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى قواعد واضحة تضمن أن الاستثمار يخدم المكان ولا يضر به.

فالهدف ليس أن تصبح رشيد نسخة من مدينة سياحية أخرى، وإنما أن تبيع تجربتها الخاصة؛ تجربة مدينة نيلية تاريخية ذات عمارة عثمانية وحكايات مرتبطة بالتجارة والنهر وحجر رشيد.

من «حماية التراث» إلى «اقتصاد التراث»

ربما تكون هذه هي النقلة التي تحتاجها رشيد خلال المرحلة المقبلة.

فبدل أن ينظر إلى الترميم باعتباره بندًا للإنفاق، يمكن النظر إليه باعتباره استثمارًا طويل الأجل في أصل ثقافي يمكن أن يدر عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا.

وبدل أن يكون الحرفي مجرد عامل يقوم بأعمال ترميم، يمكن أن يصبح صاحب حرفة تستمر بعد انتهاء المشروع.

وبدل أن يزور السائح بيتًا أثريًا ثم يغادر، يمكن أن يقضي يومًا كاملًا في المدينة، وينفق على النقل والطعام والمنتجات المحلية والجولات والأنشطة الثقافية.

وهنا يصبح التراث جزءًا من الاقتصاد المحلي وليس عبئًا على موازناته.

زيارة السفيرة.. البداية وليست النهاية

زيارة أنجلينا أيخهورست لرشيد حملت رسالة مهمة بشأن الاهتمام الدولي بما تمتلكه المدينة من ثروة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه تضع أمام المسؤولين وأبناء المدينة سؤالًا أكبر: ماذا بعد؟

فرشيد لا تحتاج فقط إلى مزيد من الحديث عن قيمة تراثها، وإنما تحتاج إلى تحويل هذه القيمة إلى خطة واضحة؛ تبدأ بالتوثيق والحماية والترميم، ثم تطوير البنية الأساسية، وتصميم المسارات السياحية، ودعم الحرف، وتشجيع المشروعات الصغيرة، وتسويق المدينة محليًا ودوليًا.

والأهم أن يكون المواطن الرشيدي جزءًا من هذه المعادلة، لأن أفضل طريقة لحماية التراث هي أن يشعر المجتمع المحيط به أن هذا التراث ليس مجرد مبانٍ قديمة، بل مصدر للهوية والعمل والدخل والفرص.

وفي النهاية، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس: هل تملك رشيد تراثًا يستحق الاستثمار؟

فالإجابة واضحة.

السؤال هو: هل نستطيع أن نبني النموذج الذي يجعل هذا التراث منتجًا اقتصاديًا مستدامًا، دون أن نفقد روحه وهويته؟

إذا نجحت رشيد في الإجابة عن هذا السؤال، فقد تتحول بيوتها القديمة ومساجدها وشوارعها التاريخية من ذاكرة محفوظة إلى اقتصاد حي؛ اقتصاد يحمي الماضي، ويصنع فرص الحاضر، ويمنح الأجيال القادمة سببًا جديدًا للفخر بمدينة لا يزال تاريخها قادرًا على صناعة المستقبل.

تم نسخ الرابط