رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من مطاردة القوارض إلى عرش «باستت».. السر التاريخي لتقديس الفراعنة للقطط

القطط الفرعونية
القطط الفرعونية

يحتفل العالم باليوم العالمي للقطط في 8 أغسطس من كل عام، وهي كائنات ارتبطت برحلة تاريخية ممتدة مع الإنسان، غير أن هذه العلاقة بلغت في مصر القديمة أوجها ومكانة استثنائية؛ حيث تصدرت صور القطط جدران المقابر، وشغلت مساحات داخل البيوت، ونُحتت لها التماثيل، وحنطت أجسادها، وصولا إلى ارتباطها بأشهر المعبودات المصرية القديمة «باستت».

وقبل أن تكتسب القطة رمزيتها الدينية، أدت دورا عمليا حاسما في مجتمع زراعي يعتمد على تخزين الحبوب؛ إذ تولت حماية المنازل والمخازن عبر مطاردة الفئران والجرذان والثعابين، ووفقا لبيانات المتحف البريطاني، نالت القطط تقدير المصريين القدماء كحيوانات أليفة وحراس للمخازن، لتتحول تدريجيا من عنصر نافع في الحياة اليومية إلى أيقونة حاضر في الفن والطقوس.

«باستت».. المعبودة التي اتخذت هيئة القطة

تجسدت المكانة الدينية للقطط في شخصية المعبودة «باستت»، إحدى أبرز معبودات مصر السفلى. ويوضح متحف المتروبوليتان للفنون أن باستت عُرفت بكونها معبودة حامية تجلب الازدهار، وقد اتخذت من القطة هيئة رمزية لها.

من جانبه، يربط المتحف البريطاني بين باستت والخصوبة، والولادة، والفرح، والحماية من الأرواح الشريرة والأمراض؛ حيث صُوّرت في شكل امرأة برأس قطة أو قطة كاملة. ويشير تاريخ التحولات الدينية إلى أن باستت صُوّرت في العصور المبكرة كـ «لبؤة» شرسة، قبل أن تتطور إلى هيئة القطة المنزلية، مفسرة بذلك الجمع بين القوة والحماية من جهة، والأمومة والهدوء من جهة أخرى.

بوباستيس.. العاصمة المقدسة لـ «السنوريات»

شكلت مدينة «بوباستيس» (تل بسطة الحالية بمحافظة الشرقية) المركز الرئيسي لعبادة باستت، وكشفت الاكتشافات الأثرية عن تحول المدينة إلى مقصد للطقوس والنذور، ومستقر لمومياوات القطط.

وقد وثق المؤرخ اليوناني «هيرودوت» أثناء زيارته لمصر في القرن الخامس قبل الميلاد، المهرجانات الضخمة التي كانت تُقام في بوباستيس، واصفا الرحلات النهرية للرجال والنساء نحو المدينة وسط الغناء والموسيقى وتقديم القرابين.

هل عبد المصريون القدماء القطط فعليا؟

تتردد مقولة أن «المصريين عبدوا القطط»، غير أن الحقائق التاريخية تبين دقة أكبر؛ فالمصري القديم لم يعبد الحيوان لذاته، بل قدر الصفات والقوى الإلهية التي يرمز إليها الحيوان وارتباطه بـ «باستت».

ويوضح متحف المتروبوليتان أن القطط كانت مقدسة لكونها ترمز للمعبودة، وأن تقديم تماثيلها ومومياواتها جاء في سياق النذور والطقوس، وليس باعتبار كل قطة في الشارع إلها مستقلًا.

«قطة جاير أندرسون» وتحنيط السنوريات

من أشهر القطع الفنية العالمية تمثال «قطة جاير أندرسون» المصنوع من البرونز والمحفوظ بالمتحف البريطاني، والذي يعود للعصر المتأخر (نحو 600 قبل الميلاد)، يجسد التمثال هيئة باستت كقطة حارسة منتصبة الأذنين ترتدي أقراطا وحليًا ذهبية دقيقة.

ولم تقتصر الرعاية على الحياة فقط؛ بل حُنطت القطط وقُدمت كنذور داخل السراديب والأنفاق في بوباستيس وسقارة، وبحسب معهد سميثسونيان والمتحف البريطاني، شهدت الفترات البطلمية والرومانية توسعا كبيرا في تربية القطط وتحنيطها وتكفينها بالكتان لتلبية الطلب المتزايد على النذور الدينية.

طقوس الحداد عند وفاة القطة

نقل «هيرودوت» جانبا من العادات الاجتماعية المترتبة على هذه المكانة؛ موضحا أن أهل البيت في مصر القديمة كانوا يحلقون حواجبهم علامة على الحداد عند موت قطتهم المنزلية موتا طبيعيا، قبل نقلها إلى بوباستيس لتحنيطها ودفنها، مما يعكس الأثر العميق لهذه الكائنات في الوجدان المصري القديم.

تم نسخ الرابط