رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أسرار حرف ال"T".. لماذا بنيت المقبرة بهذا التصميم؟

مقبرة باسر
مقبرة باسر

لم يكن اكتشاف المقبرة الجديدة بمنطقة الشيخ عبد القرنة في البر الغربي بالأقصر مجرد إضافة رقم جديد إلى سجل الاكتشافات الأثرية في مصر، بل أعاد فتح باب واسع لفهم فلسفة العمارة الجنائزية التي ابتكرها المصري القديم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام. 

فمن بين أكثر ما لفت انتباه علماء الآثار في المقبرة، تصميمها المميز على هيئة حرف "T" المقلوب، وهو تخطيط لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عقيدة دينية ورؤية معمارية متكاملة جسدت رحلة الإنسان من عالم الأحياء إلى الخلود.

مقبرة "باسر".. اكتشاف يعيد قراءة عمارة الدولة الحديثة

ويؤكد خبراء الآثار أن هذا الطراز المعماري كان السمة الأبرز لمقابر كبار الموظفين والنبلاء خلال عصر الدولة الحديثة، وخاصة في عصر الرعامسة، حيث صُممت المقبرة لتكون أكثر من مجرد مكان للدفن، بل بيتًا أبديًا يمارس فيه المتوفى حياته الأخرى وفق معتقدات المصريين القدماء.

وتقع المقبرة التي كشفت عنها البعثة الأثرية الهولندية التابعة لجامعة لايدن إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم 45، وتخص شخصًا يحمل اسم "باسر"، بينما تشير الدراسة الأولية للنقوش والأسلوب الفني إلى أنها تعود إلى عصر الرعامسة، أحد أكثر العصور ازدهارًا في تاريخ مصر القديمة.

ويتكون هذا التصميم من فناء خارجي واسع يستقبل الزائر قبل الوصول إلى المدخل الرئيسي، ثم صالة عرضية تمتد أفقيًا، تعقبها صالة طولية تتجه نحو عمق الجبل، لتتشكل هيئة تشبه حرف "T" المقلوب، قبل أن تنتهي بحجرات الدفن الموجودة أسفل سطح الأرض. ولم يكن هذا الترتيب مجرد شكل هندسي، وإنما كان يمثل مسارًا رمزيًا يبدأ من عالم البشر وينتهي بعالم الأبدية.

ويحمل الفناء الخارجي أهمية كبيرة، إذ كان المكان الذي تستقبل فيه أسرة المتوفى الزائرين خلال المناسبات الدينية، كما كانت تُقام فيه الطقوس الجنائزية وتُقدم القرابين. أما الصالة العرضية فكانت أشبه بسجل مصور لحياة صاحب المقبرة، حيث امتلأت جدرانها بمناظر تعكس أعماله ووظيفته ومكانته الاجتماعية وعلاقته بأفراد أسرته.

الفناء والمقصورة وحجرات الدفن.. رحلة إلى العالم الآخر

أما الصالة الطولية، فقد كانت تمثل الانتقال الروحي نحو العالم الآخر، ولذلك زُينت عادة بمناظر دينية وصلوات ومشاهد تعبد للآلهة، في إشارة إلى رحلة المتوفى نحو الخلود. وفي نهاية هذا المسار كانت توجد حجرة التماثيل أو المقصورة، حيث توضع تماثيل صاحب المقبرة لتستقبل القرابين التي كان يعتقد أنها تمنحه الحياة الأبدية.

ويكشف الاكتشاف الجديد أن مقبرة "باسر" ما زالت تحتفظ بعدد من هذه العناصر المعمارية بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة لتثبيت لوحة جنائزية، إضافة إلى سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي مباشرة إلى مدخل المقبرة، وهي عناصر تؤكد التزام المعماري المصري القديم بالقواعد الهندسية التي استمرت قرونًا دون تغيير كبير.

كما عثر الفريق الأثري على مناظر تحمل اسم صاحب المقبرة، إلى جانب بقايا رسوم جدارية ملونة تظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير مقدسة، فضلًا عن مشاهد تجمعه بزوجته أمام مائدة القرابين، وهي مناظر تعكس العقيدة المصرية القديمة التي ربطت استمرار الحياة بعد الموت باستمرار تقديم القرابين وذكر اسم المتوفى.

ويشير الأثريون إلى أن التصميم على هيئة حرف "T" لم يكن يقتصر على الناحية الدينية فقط، بل كان يحقق أيضًا وظائف عملية، إذ يسمح بدخول الضوء الطبيعي إلى أجزاء من المقبرة، كما يتيح مساحات مناسبة لإقامة الطقوس الدينية وتزيين الجدران بالنقوش والرسوم التي توثق حياة صاحبها، لتتحول المقبرة إلى سجل تاريخي متكامل أكثر منها مجرد مكان للدفن.

الترميم والدراسة.. المرحلة التالية بعد الاكتشاف

ومن المنتظر أن تواصل البعثة الهولندية خلال المواسم المقبلة أعمال الدراسة والتوثيق والترميم، بما قد يكشف تفاصيل جديدة عن شخصية "باسر" ودوره في عصر الرعامسة، إلى جانب فهم أعمق لتاريخ منطقة الشيخ عبد القرنة، التي لا تزال تخفي بين جبالها عشرات الأسرار التي تنتظر من يزيح عنها رمال الزمن.

ويؤكد هذا الاكتشاف أن كل مقبرة تُفتح في البر الغربي بالأقصر ليست مجرد كشف أثري جديد، وإنما صفحة أخرى تُضاف إلى كتاب الحضارة المصرية القديمة، لتثبت أن عبقرية المصري القديم لم تتجسد فقط في بناء المعابد والأهرامات، بل امتدت أيضًا إلى تصميم مقابر جمعت بين الفن والهندسة والعقيدة، لتظل شاهدة على حضارة ما زالت تبهر العالم بعد آلاف السنين.

تم نسخ الرابط