رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

حارس التاريخ في حضن سيناء، دير سانت كاترين ملتقى الأديان وأقدم أديرة العالم

دير سانت كاترين
دير سانت كاترين

في أحضان جبال جنوب سيناء الوعرة، وعند سفح جبل حوريب المعروف اليوم بجبل موسى، يقف دير سانت كاترين شامخًا منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، شاهدًا على تاريخ طويل من العبادة والعلم والتعايش الإنساني.

 ويُعد الدير أحد أقدم الأديرة المسيحية المأهولة بشكل متواصل في العالم، كما يمثل نموذج فريد لاجتماع الديانات السماوية الثلاث في بقعة واحدة من أرض مصر.

وشيد الدير خلال القرن السادس الميلادي، بين عامي 527 و565م، بأمر من الإمبراطور البيزنطي جوستنيان الأول، ليكون ملاذًا للرهبان الذين عاشوا في سيناء ومركزًا دينيًا لحماية الأماكن المرتبطة بقصة النبي موسى عليه السلام. وفي عام 2002 أدرجته منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي تقديرًا لقيمته التاريخية والمعمارية والروحية.

قلعة حجرية تحرسها الجبال

يبدو الدير من الخارج أشبه بحصن عسكري ضخم، إذ تحيط به أسوار من الجرانيت يصل ارتفاعها إلى نحو 15 مترًا، أقيمت لحمايته من الغارات والهجمات التي شهدتها المنطقة عبر القرون.وبمجرد عبور البوابة الرئيسية، يجد الزائر نفسه أمام مجموعة من الكنوز المعمارية والدينية التي جعلت من الدير متحفًا حيًا للتاريخ.

كنيسة التجلي.. قلب الدير النابض

تعد كنيسة التجلي، أو الكنيسة الكبرى، أبرز معالم الدير وأهمها. 

وقد شُيدت على الطراز البيزنطي، وتتميز بأبوابها الخشبية المزخرفة وأعمدتها الجرانيتية، فيما تتوج الهيكل فسيفساء التجلي الشهيرة التي يعود تاريخها إلى القرن السادس الميلادي، وتُصنف بين أروع نماذج الفن المسيحي المبكر في العالم.

شجرة العليقة المقدسة

داخل أسوار الدير تقف شجرة العليقة المقدسة، التي يعتقد كثير من المسيحيين أنها تنتمي إلى نسل الشجرة التي رأى عندها النبي موسى عليه السلام النار المشتعلة دون أن تحترق، وفقًا للرواية التوراتية.

وتُعد هذه الشجرة من أكثر المواقع التي يقصدها الزائرون والحجاج.

بئر موسى

كما يحتضن الدير بئرًا للمياه العذبة يُعرف باسم بئر موسى، وترتبط به تقاليد دينية وتاريخية تشير إلى أنه المكان الذي سقى عنده النبي موسى أغنام ابنتي نبي الله شعيب عليه السلام أثناء رحلته إلى أرض مدين.

مكتبة تضاهي مكتبات العالم الكبرى

لا تقتصر أهمية دير سانت كاترين على قيمته الدينية فحسب، بل يمتلك أيضًا واحدة من أغنى المكتبات التاريخية في العالم.

تضم مكتبة الدير آلاف المخطوطات النادرة المكتوبة باليونانية والعربية والسريانية والقبطية والجورجية والأرمنية، وتأتي في المرتبة الثانية بعد مكتبة الفاتيكان من حيث قيمة مخطوطاتها المسيحية القديمة.

العهدة النبوية.. وثيقة للتسامح

 

ومن بين أثمن مقتنيات الدير نسخة تاريخية مما يعرف بالعهدة النبوية، وهي وثيقة تنسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتمنح الرهبان الأمان على أنفسهم وكنائسهم وممتلكاتهم. وتبقى هذه الوثيقة، بصرف النظر عن الجدل الأكاديمي حول تاريخ نسختها الحالية، رمزًا مهمًا لفكرة التعايش والتسامح الديني في الذاكرة الإسلامية والمسيحية.

المسجد الفاطمي.. شاهد على التعايش

ومن المشاهد الفريدة داخل الدير وجود المسجد الفاطمي، الذي شُيد خلال القرن الحادي عشر الميلادي في العصر الفاطمي، داخل السور نفسه وبجوار الكنيسة الكبرى

يعكس المسجد طبيعة العلاقات التاريخية التي جمعت بين الرهبان المسيحيين وقبائل البدو المسلمين في سيناء، كما يجسد صورة نادرة للتعايش الديني استمرت قرونًا طويلة دون انقطاع.

سيمفونية سلام من قلب سيناء

يبقى دير سانت كاترين واحد من أهم المقاصد الروحية والسياحية في العالم، إذ يفد إليه الزوار من مختلف الجنسيات لصعود جبل موسى ومشاهدة شروق الشمس فوق قمم سيناء، قبل النزول إلى ساحة الدير حيث تمتزج رائحة البخور بعبق الجبال، ويجاور المسجد العتيق الكنيسة البيزنطية في مشهد يلخص آلاف السنين من الإيمان والتسامح والتاريخ الإنساني المشترك.

تم نسخ الرابط