رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مات قبل خوفو بقرون، هل عثرت المنيا على الجد الأول لأهرامات الجيزة؟

جبل الطير
جبل الطير

تخيل أن تزور موقعًا أثريًا في قلب صعيد مصر، لتكتشف أن بعض الأفكار الهندسية التي مهدت الطريق لبناء الأهرامات العظيمة ربما لم تولد في الجيزة أو سقارة، بل كانت بذورها الأولى مدفونة منذ آلاف السنين داخل جبال المنيا. 

 

هذا هو الجدل العلمي المثير الذي أعاده إلى الواجهة الكشف الأثري الأخير لبعثة المجلس الأعلى للآثار بمنطقة جبل الطير شرق النيل بمحافظة المنيا، وهو كشف لا يضيف مجرد مقبرتين جديدتين إلى سجل الآثار المصرية، بل يفتح الباب مجددًا أمام واحد من أكثر الأسئلة إثارة في علم المصريات: كيف تطورت الفكرة التي قادت في النهاية إلى تشييد الأهرامات؟

هندسة «جبل الطير».. حلقة مبكرة في رحلة العمارة الحجرية

تكمن أهمية الكشف في أن المقبرتين المكتشفتين تعودان إلى العصر العتيق، وتحديدًا الأسرتين الأولى والثانية، أي قبل بناء الهرم المدرج للملك زوسر بقرون، وقبل ظهور الهرم الأكبر للملك خوفو بفترة زمنية طويلة.

غير أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام يتمثل في التصميم المعماري لإحدى المقبرتين؛ إذ كشفت أعمال الحفر عن جدران شُيدت بأسلوب يعتمد على التدرج في السماكة، حيث تبدأ عريضة وقوية عند القاعدة، ثم تقل تدريجيًا كلما ارتفع البناء إلى أعلى.

ويرى عدد من الباحثين أن هذا الأسلوب قد يعكس محاولات مبكرة لتحقيق قدر أكبر من الثبات الإنشائي، بينما يعتقد آخرون أن هذه المعالجة الهندسية ربما تمثل مرحلة من مراحل التطور المعماري التي سبقت ظهور المنشآت الهرمية، وإن كان الربط المباشر بينها وبين أهرامات الجيزة لا يزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات والمقارنات العلمية.

 

مقابر تروي قصة آلاف السنين

الكشف الجديد لم يقتصر على المقبرتين فحسب، بل أظهر أن منطقة جبل الطير احتفظت بمكانتها الجنائزية عبر عصور متعاقبة. فقد عثر الأثريون على دفنات في وضع القرفصاء ملفوفة بالحصير تعود إلى فترات ما قبل الأسرات، وبالتحديد حضارتي نقادة الثانية والثالثة، إلى جانب دفنات أخرى داخل توابيت خشبية ترجع إلى العصر المتأخر.

هذا التنوع الزمني يشير إلى أن المنطقة لم تكن جبانة محلية محدودة الاستخدام، بل موقعًا ذا قدسية خاصة استمر استخدامه لآلاف السنين، وهو ما يمنح الكشف بعدًا تاريخيًا يتجاوز حدود المقبرتين المكتشفتين.

كواليس موقع البناء القديم

ورغم تعرض إحدى المقبرتين لأعمال اقتلاع للأحجار في عصور لاحقة، فإن الأجزاء المتبقية قدمت تفاصيل نادرة عن تقنيات البناء لدى المصري القديم.

 

فقد كشفت الحفائر عن خطوط ملونة مرسومة على الأسطح الحجرية، يُرجح أنها كانت بمثابة علامات إرشادية لتحديد أماكن القطع والتشكيل، بالإضافة إلى بقايا دعامات خشبية ضخمة استخدمت لتدعيم الجدران وحمايتها من الانهيار أثناء مراحل التشييد.

وربما لا يقدم كشف جبل الطير إجابة نهائية عن لغز بناء الأهرامات، لكنه يضيف قطعة جديدة إلى أحجية ما زالت تشغل العلماء منذ قرون، ويؤكد في الوقت نفسه أن صعيد مصر لا يزال يخفي بين جباله ورماله أسرارًا قادرة على إعادة كتابة فصول كاملة من تاريخ العمارة المصرية القديمة.

قد لا يكون جبل الطير هو المكان الذي وُلدت فيه الأهرامات، لكنه ربما يكون أحد المواقع التي شهدت المراحل الأولى لتشكل الفكرة الهندسية التي سمحت للمصري القديم لاحقًا بتشييد أعظم عجائب الدنيا القديمة.»

 

 

تم نسخ الرابط