بئر مسحور وثروات منسية، أسرار وحكايات غامضة لا تعرفها عن بيت الكريتلية
في قلب القاهرة التاريخية، وبجوار مئذنة جامع أحمد بن طولون الشاهقة، يقف متحف جاير أندرسون، المعروف شعبياً باسم «بيت الكريتلية»، كواحد من أكثر البيوت الأثرية المصرية إثارة للدهشة والفضول.
متحف جاير أندرسون
فالمكان لا يضم فقط مقتنيات نادرة تنتمي إلى حضارات متعددة، بل يحتفظ أيضاً بذاكرة شعبية ثرية نسجت حوله عشرات الحكايات والأساطير التي ما زالت تتردد بين زواره حتى اليوم.
يتكون المتحف من منزلين أثريين يعود تاريخهما إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين، هما بيت آمنة بنت سالم وبيت السيدة الكريتلية، وهي امرأة من جزيرة كريت استوطنت القاهرة، فأطلق العامة اسمها على المنزل بأكمله.
لكن الفضل في إنقاذ هذين البيتين من الاندثار يعود إلى الطبيب والضابط البريطاني جون جاير أندرسون، الذي وصل إلى مصر خلال العقود الأولى من القرن العشرين، ووقع في غرام العمارة الإسلامية والفنون الشرقية. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، حصل على موافقة الحكومة المصرية للإقامة داخل المنزلين وترميمهما على نفقته الخاصة، مقابل أن تنتقل ملكيتهما وما يضمانه من مقتنيات إلى الدولة المصرية بعد وفاته.
وبمرور الوقت، تحول البيت إلى متحف فريد يضم مجموعات أثرية وفنية جمعها أندرسون من مصر وبلاد الشام وتركيا وإيران والصين والهند، فضلاً عن قطع تعود إلى الحضارة الفرعونية.
عبقرية العمارة الإسلامية
منذ اللحظة الأولى لدخول البيت، يلاحظ الزائر أن المدخل لا يقود مباشرة إلى الفناء الداخلي، بل ينكسر في أكثر من اتجاه، وهو تصميم معماري كان يهدف إلى الحفاظ على خصوصية سكان المنزل ومنع رؤية الداخل من الشارع.
كما تنتشر المشربيات الخشبية المزخرفة التي سمحت لسيدات المنزل بمتابعة ما يجري في قاعات الاستقبال دون أن يراهن الضيوف، بينما تضم بعض الأركان حجرات صغيرة استخدمت لحفظ المقتنيات الثمينة أو للاختباء خلال فترات الاضطرابات.
أساطير شعبية حول بئر قديم
ومن أكثر الحكايات ارتباطاً بالبيت تلك التي تدور حول البئر الموجود في فناء المنزل، إذ اعتقد بعض سكان المنطقة قديماً أنه بئر مسكون بالكائنات الخفية، وأن النظر إلى مياهه في ليالي اكتمال القمر قد يكشف ملامح الشخص الذي سيقترن به الناظر.
كما ارتبط البيت بضريح الشيخ هارون الهلالي المجاور له، حيث كان الأهالي يعتقدون أن بركة الشيخ تحمي المنزل من اللصوص والأذى، وهي روايات شعبية تناقلتها الأجيال دون وجود أدلة تاريخية تؤكدها.
كنوز من الشرق والغرب
ويضم المتحف قاعة دمشقية مكسوة بالأخشاب المذهبة، نُقلت أجزاء منها من سوريا، إضافة إلى غرفة فارسية مزخرفة، وقاعة صينية تحتوي على أثاث مطعم بالعاج، إلى جانب مجموعة من التماثيل والتحف المصرية القديمة.
وكان جاير أندرسون مولعاً بتدوين القصص الشعبية التي سمعها من سكان الحي، وساهم ذلك في ترسيخ صورة «بيت الكريتلية» كمكان يختلط فيه التاريخ بالخيال، والوقائع الموثقة بالحكايات المتوارثة.
جيمس بوند يزور بيت الكريتلية
ولم تقتصر شهرة البيت على الباحثين ومحبي التراث، بل امتدت إلى السينما العالمية، إذ اختيرت بعض أجزائه لتصوير مشاهد من فيلم «The Spy Who Loved Me» عام 1977، ليصبح المتحف أحد المواقع المصرية القليلة التي ظهرت في سلسلة أفلام العميل السري الأشهر جيمس بوند.
واليوم، لا تبدو زيارة بيت الكريتلية مجرد جولة داخل متحف تقليدي، بل رحلة في قلب القاهرة القديمة، حيث تتجاور التحف النادرة مع الأساطير الشعبية، وتتحول النوافذ الخشبية والممرات الضيقة والمشربيات العتيقة إلى صفحات مفتوحة من تاريخ مدينة لا تكف عن إخفاء أسرارها.





