الفراعنة والآلهة.. كيف فسّر المصريون القدماء الليل والنهر وحياة الأرض ؟
قبل خمسة آلاف عام، لم يكن المصريون القدماء يدركون أن تعاقب الليل والنهار ناجم عن دوران الأرض حول محورها، أو أن كوكبهم يتحرك حول الشمس، كما لم يعرفوا أن الرياح الموسمية في المرتفعات الإثيوبية تسبب أمطارًا غزيرة بين مايو وأغسطس، تؤدي إلى ارتفاع منسوب نهر النيل وحمل الطمي إلى الأراضي الزراعية. هذه الظواهر الحيوية، التي كانت أساس حياتهم، لم يكن لها تفسير منطقي في ظل معرفتهم المحدودة، لذلك نسبوا أسبابها إلى تدخل الآلهة.
الفراعنة والآلهة.. كيف فسّر المصريون القدماء الليل والنهر وحياة الأرض ؟
وكان الإله رع يتجدد كل صباح بعد مواجهة مخاطر الليل، مانحًا الضوء والحرارة للحياة. أما مياه هاپي فكانت تفيض على الأراضي بالخصوبة، ودموع إيزيس على فقدان أوزيريس تختلط بمياه النيل، مانحة الأرض حياة وغلالاً.
وانعكست هذه المعتقدات على البنية السياسية والاجتماعية، حيث كان الفرعون جسراً بين البشر والآلهة. فقد كان الملك، باعتباره إلهًا على الأرض، مسؤولًا عن أداء الطقوس اليومية في المعابد، لضمان استمرار تدفق النعم الإلهية وتحقيق التوازن بين النظام (ماعت) والفوضى. لم يكن بإمكان أي شخص آخر أداء هذه الطقوس، ما جعل الفرعون عنصرًا أساسيًا في استمرار الحياة وازدهار الدولة.
وتوضح الصورة المرفقة مثالاً حيًا على هذا التوازن المقدس في معبد الملايين من السنين للملك رمسيس الثالث في مدينة هابو. حيث يقدم الفرعون قرابين زهرية للإلهة حتحور في السجل العلوي، ويصب وعاءً للذبائح للإله أوبواوت في السجل السفلي، مما يعكس دور الملك كوسيط بين البشر والآلهة وأهمية الطقوس في ضمان خصوبة الأرض واستمرار الحياة في وادي النيل.
هذا الفهم الديني لم يقتصر على الجانب الروحي فقط، بل شكّل أساسًا لحياة المصريين اليومية، إذ كانوا يرون في التفاعل مع الآلهة طريقًا للحفاظ على النظام والاستقرار، وتفسير الظواهر الطبيعية التي كانت حاسمة لبقائهم وازدهارهم.

