تحفة معمارية لا تراها الأعين
قبة السلطان قايتباي.. الجوهرة المخفية في صحراء المماليك
في منطقة صحراء المماليك، حيث تتناثر القباب والمساجد التاريخية بين الرمل والأزقة المزدحمة بالعمران الحديث، ترتفع قبة السلطان الأشرف قايتباي كواحدة من أروع أعمال العمارة الإسلامية في مصر، لكنها للأسف بعيدة عن المسارات السياحية الرئيسية، وغالبًا ما تُغفل في البرامج الإعلامية والسياحية، القبة ليست مجرد ضريح، بل تحفة معمارية تحمل تاريخ عصر كامل، وتوضح كيف كانت القاهرة مركزًا للإبداع الفني والديني في القرن الخامس عشر الميلادي.
السلطان الأشرف قايتباي.. حاكم الفنانين
كان قايتباي أحد أعظم سلاطين المماليك، معروفًا بحبه للفنون والعمارة، وقد ترك وراءه إرثًا هائلًا من المنشآت، سواء في القاهرة أو خارجها، قبة ضريحه ليست استثناء؛ فهي تمثل ذروة ما وصلت إليه العمارة المملوكية من دقة هندسية وزخارف حجرية، حيث تُظهر مهارة الحرفيين وقدرتهم على الجمع بين الرموز الدينية والجمالية.
هندسة تتحدى الزمن
تتميز القبة بتوازن مذهل، وزخارف حجرية محفورة باليد بأدق التفاصيل، مما يجعلها مثالاً فريدًا للهندسة المعمارية الإسلامية. كل خط ونقش في القبة له دلالة، ويعكس فلسفة فنية اعتمدت على التكرار الهندسي والتناظر الدقيق لإيصال رسالة روحية وجمالية في آن واحد.
لماذا تظل مهملة؟
المشكلة الرئيسية ليست في القبة نفسها، بل في موقعها، وجودها داخل صحراء المماليك جعل الوصول إليها صعبًا نسبيًا، كما أن غياب برامج التوعية والتراث الرسمية قلل من شأنها في الوعي العام، رغم أنها لا تقل قيمة عن أشهر المعالم الإسلامية في القاهرة، القبة تحكي قصة فن متكامل وهندسة متقدمة لا يجب أن يظل بعيدًا عن أعين الجمهور.
فرصة لإحياء التراث
خبراء التراث يؤكدون أن دمج صحراء المماليك ضمن مسار سياحي وثقافي منظم يمكن أن يحوّل القبة، ومحيطها، إلى متنزه ثقافي مفتوح يروي تاريخ المماليك ويجذب الباحثين والسياح على حد سواء. القبة نفسها تعلمنا أن الجمال الحقيقي قد يكون بعيدًا عن العيون، لكنه لا يقل إشراقًا عن أي معلم شهير.
رمز للتاريخ والحضارة
قبة قايتباي ليست مجرد أثر معماري، بل درس حي في تاريخ القاهرة: كيف كانت المدينة قادرة على الجمع بين القوة السياسية والفن والروحانية في تصميم واحد؟ وكيف استطاعت الحضارة المملوكية أن تترك إرثًا لا يزال قادرًا على إبهار الأجيال بعد أكثر من 500 عام؟
القبة تذكّرنا بأن كثيرًا من روائع القاهرة لا يُرى إلا لمن يقرر البحث عنها، وأن التاريخ الحقيقي للمدينة يكمن بين الرمال، بعيدًا عن أعين السياحة التقليدية.




