قلعة الجندي في سيناء.. حصن صلاح الدين الذي راقب الصحراء وحمى مصر
تقف قلعة الجندي شامخة فوق هضبة جبلية في قلب وسط سيناء، كواحدة من أبرز الشواهد على عبقرية التخطيط العسكري في العصر الأيوبي، وواحدة من القلاع التي لم تنل نصيبها العادل من الضوء، رغم دورها المحوري في حماية مصر وتأمين طرقها الشرقية في واحدة من أخطر مراحل تاريخ المنطقة.
حماية مصر وتأمين طرقها الشرقية
تعود قلعة الجندي إلى عصر السلطان صلاح الدين الأيوبي، الذي أدرك مبكرًا أهمية سيناء ليس فقط كممر جغرافي، بل كخط دفاع أول عن مصر في مواجهة الأخطار القادمة من الشرق. فاختار موقعًا استراتيجيًا بالغ الدقة، أعلى هضبة صخرية تمنح رؤية بانورامية واسعة تمتد لعشرات الكيلومترات، ما يسمح برصد أي تحركات معادية أو قوافل عابرة قبل وصولها بوقت كافٍ.
لم يكن اختيار الموقع عشوائيًا؛ فقد بنيت القلعة على ارتفاع يقارب 650 مترًا فوق سطح البحر، في منطقة تتوسط الطرق القديمة التي كانت تربط مصر بالشام والحجاز. هذا الموقع جعلها نقطة مراقبة وإنذار مبكر، إلى جانب دورها في تأمين القوافل التجارية وقوافل الحج المصري التي كانت تعبر سيناء في طريقها إلى الأراضي المقدسة.
من الناحية المعمارية، تعكس قلعة الجندي فلسفة التحصين الأيوبي القائمة على البساطة الصلبة والوظيفة العسكرية. شُيدت القلعة من الحجر الجيري المحلي، واحتوت على أسوار قوية وأبراج مراقبة، إضافة إلى غرف للجنود ومخازن للسلاح والمؤن. كما تضم القلعة صهاريج لتجميع مياه الأمطار، في دليل واضح على التخطيط الذكي للتعامل مع طبيعة الصحراء القاسية وندرة المياه.
وتكشف بقايا القلعة عن وجود مسجد صغير داخل الأسوار، ما يعكس الطابع الديني والعسكري المتداخل في حياة الجنود، ويؤكد أن القلعة لم تكن مجرد موقع قتالي، بل مجتمعًا عسكريًا متكاملًا قادرًا على الصمود لفترات طويلة في حال الحصار.
لعبت قلعة الجندي دورًا مهمًا في منظومة الدفاع الأيوبي، خاصة خلال الصراع مع الحملات الصليبية، حيث كانت تشكل جزءًا من شبكة حصون تمتد من سيناء إلى بلاد الشام. وقد أسهم وجودها في إحكام السيطرة على الطرق الصحراوية ومنع تسلل القوات المعادية إلى العمق المصري دون إنذار.
ومع تراجع دور القلاع العسكرية في العصور اللاحقة، خفت أهمية قلعة الجندي تدريجيًا، لكنها بقيت شاهدًا صامتًا على مرحلة تاريخية مفصلية. واليوم، تُعد القلعة موقعًا أثريًا ذا قيمة استثنائية، ليس فقط من الناحية التاريخية، بل أيضًا من حيث إمكانات السياحة الثقافية وسياحة المغامرات، لما يتميز به الموقع من طبيعة جبلية خلابة وإطلالات نادرة.
ورغم هذه القيمة، لا تزال القلعة خارج مسارات الزيارة التقليدية، ما يجعلها نموذجًا لما يمكن وصفه بـ«التراث المنسي». إعادة إدماج قلعة الجندي ضمن خرائط السياحة الثقافية في سيناء قد تمثل إضافة قوية، تسهم في تنويع المنتج السياحي وإعادة إحياء صفحات مهمة من التاريخ العسكري المصري.
قلعة الجندي ليست مجرد أطلال حجرية، بل قصة استراتيجية ورؤية سياسية وعسكرية أدركت أن حماية مصر تبدأ من صحاريها، وأن السيطرة على الطرق تعني السيطرة على المصير.





