حم أيونو.. لماذا نال مهندس هرم خوفو ما لم ينله الملوك وحدهم؟
في حضارة امتلأت بتماثيل الملوك والآلهة، يقف تمثال حم أيونو كاستثناء صادم، لا تاج فوق رأسه، ولا هيئة بطولية، ولا رموز ألوهية تحيط به، ومع ذلك نال ما كان حكرًا على فئة نادرة الخلود في الحجر، السؤال هنا ليس من هو حم أيونو، بل لماذا قرر المصري القديم أن يخلّد عقلًا لا دمًا ملكيًا؟
حقيقة القصة التاريخية
عاش حم أيونو في أوائل الأسرة الرابعة، وكان وزيرًا للملك خوفو، ومشرفًا على الأعمال الملكية، ويرجّح كثير من علماء المصريات أنه كان العقل الإداري والهندسي الأبرز خلف مشروع هرم خوفو، إن لم يكن مهندسه الرئيسي.
عُثر على تمثاله داخل مقبرته بالجيزة، مصنوعًا من الحجر الجيري، في وضع جلوس هادئ يخلو من أي استعراض. لم يُصوَّر كقائد عسكري، ولا ككاهن، بل كرجل يجلس بثبات، وكأن الفعل قد انتهى، وبقي أثره.

الخلفية الفكرية والعقائدية
الفن المصري القديم لم يكن عشوائيًا أبدًا، الجسد الممتلئ الذي صُوِّر به حم أيونو لم يكن انتقاصًا، بل رمزًا للرخاء والاستقرار، الامتلاء هنا يعني أن الرجل لا يعمل بيديه، بل بعقله، وأن دوره قائم على التنظيم والتخطيط وضبط الإيقاع الكوني.
آمن المصري القديم بأن بقاء العالم مرهون بـ«ماعت» النظام، التوازن، والحق، وحم أيونو لم يُخلَّد لأنه شيّد هرمًا فحسب، بل لأنه حافظ على ماعت عبر العلم والإدارة والانضباط.
كسر قدسية الدم الملكي
حتى ذلك الوقت، كان الخلود شبه حكر على الملوك أو من يقتربون من عالم الآلهة، تمثال حم أيونو كسر هذه القاعدة الصامتة. هنا يُمنح الخلود لرجل خارج السلالة الملكية، لا لقوته الجسدية، بل لدوره العقلي، التمثال يعلن، دون كلمات، أن النظام لا يقوم على التاج وحده، بل على من يفهم قوانينه ويُحسن إدارتها.
تمثال بلا بطولة
لا عضلات مشدودة، ولا حركة، ولا انفعال، اليدان مستريحتان، والوجه ساكن، الرسالة واضحة: السلطة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض، والمعرفة لا تصرخ.
لم يُنحت هذا التمثال ليُبهر العامة، بل ليؤدي وظيفة روحية دقيقة، وهو أن يكون وعاءً لـ«الكا»، وضمانًا لاستمرار الدور الذي أدّاه حم أيونو في الدنيا داخل العالم الآخر.
رسالة خالدة
تمثال حم أيونو لا يقول إن الهرم هو المعجزة، بل إن العقل الذي خطط له هو الأعظم، وفي حضارة آمنت بأن النظام أساس بقاء الكون، لم يكن غريبًا أن يُخلَّد رجل لم يحمل تاجًا، لكنه حمل مسؤولية العالم على كتفيه.


