رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

قصر الأميرة خديجة بحلوان.. من مقر أميرة إلى منارة ثقافية تنبض بالحياة

 قصر الأميرة خديجة
قصر الأميرة خديجة

في قلب مدينة حلوان جنوب القاهرة، يقف قصر الأميرة خديجة شاهدًا على جانب من تاريخ مصر المعماري والاجتماعي، بعدما انتقل عبر أكثر من قرن بين أدوار متعددة، بدأت مقرًا للأميرة خديجة، ابنة الخديوي توفيق، ثم تحول إلى منشأة صحية لعلاج الأمراض الصدرية، قبل أن يُستخدم مقرًا إداريًا، ويستعيد مكانته من جديد باعتباره مركزًا ثقافيًا تابعًا لمكتبة الإسكندرية.

ولا تقتصر أهمية القصر على قيمته التاريخية والمعمارية، بل تمتد إلى دوره الحالي في نشر الثقافة والمعرفة، واستضافة الفعاليات والأنشطة التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، ليصبح أحد المراكز الثقافية المهمة في منطقة حلوان، وامتدادًا لرسالة مكتبة الإسكندرية خارج مقرها الرئيسي.

قصر شُيّد عام 1895 ليكون مقرًا للأميرة خديجة

قصر الأميرة خديجة في القاهرة يتحول إلى متحف للأديان

تعود حكاية القصر إلى عام 1895، عندما شُيّد في حلوان ليكون مقرًا للأميرة خديجة، ابنة الخديوي محمد توفيق، أحد حكام الأسرة العلوية. واختير موقعه بالقرب من سراي والدتها أمينة هانم، في منطقة ارتبطت آنذاك بالاستشفاء والاستجمام، بفضل عيون حلوان الكبريتية ومناخها الجاف.

ويعكس القصر جانبًا من طبيعة الحياة الاجتماعية والعمرانية في أواخر القرن التاسع عشر، حين شهدت حلوان انتشار القصور والسرايات التي ارتبطت بالشخصيات البارزة في المجتمع المصري. ومع مرور السنوات، اكتسب المبنى أهمية تاريخية ومعمارية جعلته واحدًا من المعالم المميزة في المنطقة.

من هدية أميرية إلى مستشفى للأمراض الصدرية

في عام 1902، أهدت الأميرة خديجة القصر إلى نظارة الصحة، ليُستخدم مستشفى للأمراض الصدرية، في مرحلة ارتبطت فيها حلوان بدورها العلاجي والاستشفائي.

ومع تعاقب السنوات، تغيرت وظيفة المبنى أكثر من مرة، فبعد استخدامه منشأة صحية، أصبح مقرًا إداريًا، ثم ارتبط اسمه بمقر محافظة حلوان خلال فترة وجودها محافظة مستقلة قبل عودتها إلى محافظة القاهرة.

وعلى الرغم من اختلاف الوظائف التي احتضنها القصر، ظل محتفظًا بقيمته التاريخية والمعمارية، وهو ما دفع إلى التفكير في إعادة توظيفه بما يتناسب مع مكانته، بدلًا من الاقتصار على استخدامه مقرًا إداريًا.

بروتوكول تعاون يعيد إحياء القصر

May be an image of lighting and text

مثّل التعاون بين محافظة القاهرة ومكتبة الإسكندرية خطوة مهمة في مسيرة القصر، إذ جرى توقيع بروتوكول لاستغلال المبنى في إقامة مركز ثقافي ومتحف لحضارة الأديان، بما يسهم في الحفاظ على قيمته المعمارية وإعادته إلى دائرة النشاط العام.

وفي مايو 2018، تسلمت مكتبة الإسكندرية القصر من محافظة القاهرة، تمهيدًا لتطوير دوره الثقافي. وأعقب ذلك تنفيذ أعمال تطوير وترميم هدفت إلى استعادة رونقه المعماري وتهيئته لاستقبال الأنشطة والفعاليات المختلفة.

وفي 27 أكتوبر 2019، افتُتح القصر بعد تطويره، ليصبح فرعًا لمكتبة الإسكندرية في القاهرة، ومركزًا ثقافيًا يستهدف خدمة المجتمع المحلي ونشر المعرفة، مع الاهتمام بالأنشطة العلمية والفنية والتعليمية.

مركز ثقافي يفتح أبوابه لمختلف الأعمار

لم يقتصر دور قصر الأميرة خديجة بعد تطويره على الحفاظ على المبنى التاريخي، بل امتد إلى تقديم أنشطة ثقافية وتعليمية متنوعة، تستهدف الأطفال والنشء والشباب والكبار.

ويضم القصر مكتبة للطفل وأخرى للنشء، إلى جانب قاعات مخصصة للأنشطة والمعارض والفعاليات. كما يستضيف ورشًا فنية وحرفية، وندوات ثقافية، وعروضًا علمية مبسطة، وبرامج تهدف إلى تنمية مهارات الأطفال والشباب وتعزيز اهتمامهم بالمعرفة والإبداع.

وتتنوع الفعاليات التي يستضيفها المركز بين معارض الفنون والحرف اليدوية والخط العربي، والعروض الثقافية والفنية، والأنشطة التفاعلية التي تتيح للجمهور التعرف إلى جوانب مختلفة من العلوم والتراث والحضارة.

وتمنح هذه الأنشطة القصر دورًا يتجاوز كونه مبنى تاريخيًا مفتوحًا للزيارة، ليصبح مساحة للتعلم والتفاعل المجتمعي، تتيح للأجيال الجديدة فرصة الاقتراب من الثقافة والفنون في بيئة تجمع بين أصالة المكان وتنوع البرامج.

نافذة ثقافية جديدة في جنوب القاهرة

May be an image of lighting and text

يمثل وجود قصر الأميرة خديجة ضمن المؤسسات التابعة لمكتبة الإسكندرية امتدادًا لرسالة المكتبة في إتاحة المعرفة خارج مقرها الرئيسي، والوصول إلى شرائح مجتمعية متنوعة من خلال مراكز ثقافية تقدم أنشطة تناسب احتياجات البيئة المحيطة بها.

وتبرز أهمية القصر بصورة خاصة في منطقة حلوان، التي تمتلك تاريخًا عمرانيًا واجتماعيًا مميزًا، إذ يسهم إعادة توظيف أحد قصورها التاريخية في ربط السكان بتراث مدينتهم، ويمنح المبنى وظيفة جديدة تتفاعل مع الحياة اليومية للمجتمع.

كما يتيح تنوع الفعاليات فرصًا للتعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية والمجتمعية، بما يعزز الاستفادة من المكان ويجعله مساحة مفتوحة للحوار والتعلم والإبداع.

الحفاظ على التراث وتحويله إلى مساحة للحياة

تكشف رحلة قصر الأميرة خديجة عن أهمية إعادة توظيف المباني التاريخية بصورة تحافظ على قيمتها المعمارية، وفي الوقت نفسه تمنحها دورًا مستمرًا في المجتمع. فالحفاظ على التراث لا يقتصر على ترميم الجدران وصيانة التفاصيل المعمارية، بل يشمل أيضًا إيجاد استخدامات قادرة على إبقاء هذه المباني حاضرة في حياة الناس.

ومن هذا المنطلق، يمثل القصر نموذجًا لتحويل مبنى ارتبط بتاريخ الأسرة العلوية وبمراحل مختلفة من تاريخ حلوان إلى مساحة للثقافة والمعرفة، تجمع بين الذاكرة التاريخية والأنشطة المعاصرة.

وفي النهاية، يظل قصر الأميرة خديجة أكثر من مجرد أثر معماري يعود إلى القرن التاسع عشر؛ فهو حكاية مكان تغيرت وظائفه مع الزمن، لكنه احتفظ بقيمته، ليبدأ فصلًا جديدًا بوصفه منبرًا ثقافيًا يسهم في نشر المعرفة وإثراء الحياة الثقافية في حلوان وجنوب القاهرة.

تم نسخ الرابط