رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من دفاتر المصري القديم.. كيف كان المصريون يعالجون المرضى؟

نقوش مصرية قديمة
نقوش مصرية قديمة

لم تكن حياة المصري القديم خالية من المرض والألم، لكن ما تركه من برديات ونقوش وآثار يكشف عن معرفة طبية لافتة سبقت عصرها في عدد من المجالات. فمنذ آلاف السنين، حاول المصريون فهم أسباب المرض، ووصف أعراضه، وتحديد طرق لعلاجه، وتركوا وراءهم نصوصًا طبية أصبحت اليوم من أهم المصادر التي تكشف جانبًا من تاريخ الطب في مصر القديمة.

وتمنح هذه الوثائق صورة مختلفة عن المصري القديم؛ فبعيدًا عن المعابد والمقابر والتماثيل، تكشف البرديات عن تفاصيل مرتبطة بالحياة اليومية، من الصداع والجروح وأمراض الجهاز الهضمي إلى مشكلات الحمل والولادة، إضافة إلى وصفات تعتمد على مواد نباتية وحيوانية ومعدنية.

البرديات الطبية.. «دفاتر» الأطباء في مصر القديمة

ومن أهم المصادر التي يعتمد عليها الباحثون في دراسة الطب المصري القديم بردية إيبرس وبردية إدوين سميث، إلى جانب عدد من البرديات الطبية الأخرى.

وتعد بردية إيبرس، التي يرجع تاريخها إلى نحو القرن السادس عشر قبل الميلاد، واحدة من أشهر النصوص الطبية المصرية القديمة، وتضم عددًا كبيرًا من الوصفات والملاحظات المتعلقة بأمراض وحالات صحية مختلفة.

أما بردية إدوين سميث، فتقدم نموذجًا مختلفًا، إذ ترتبط بصورة أكبر بإصابات الجسم والجروح، وتتميز بطريقة منظمة في عرض الحالات، بداية من وصف الإصابة ثم فحصها والتعامل معها.

من تشخيص الأعراض إلى اختيار العلاج

وتكشف النصوص الطبية أن العلاج لم يكن قائمًا على وصفة واحدة لجميع المرضى، بل تضمنت بعض الحالات وصفًا للأعراض ثم طريقة لفحص المريض وتحديد ما إذا كانت الحالة قابلة للعلاج أو تحتاج إلى تدخل مختلف.

وفي حالات الإصابات والجروح، تظهر أهمية الملاحظة والفحص، مع وصف طرق للتعامل مع الجروح والضمادات وبعض المواد المستخدمة في العلاج.

وتشير هذه النصوص إلى أن المصريين امتلكوا خبرة عملية تراكمت عبر الزمن، خاصة في التعامل مع الإصابات والحالات التي يمكن ملاحظتها وفحصها بصورة مباشرة.

الأعشاب والزيوت والعسل في الوصفات

واعتمد جزء من الطب المصري القديم على مواد طبيعية متعددة، من بينها النباتات والزيوت والعسل ومواد أخرى تدخل في تركيب الوصفات.

وكانت طريقة استخدام هذه المواد تختلف باختلاف الحالة؛ فبعضها كان يستخدم موضعيًا على الجروح أو الجلد، بينما تدخل مواد أخرى في وصفات تؤخذ عن طريق الفم.

ومن المهم عند قراءة هذه الوصفات اليوم عدم التعامل معها باعتبارها بدائل للطب الحديث، وإنما باعتبارها وثائق تاريخية تكشف كيف فهم المصري القديم المرض والعلاج، وما المواد التي كانت متاحة له وكيف استخدمها.

الجروح والإصابات.. خبرة عملية واضحة

وتقدم بردية إدوين سميث واحدة من أبرز الصور عن تعامل المصريين مع الإصابات، إذ تتناول حالات مرتبطة بالجروح وإصابات الرأس والجسم.

وتبرز في النصوص أهمية الفحص والملاحظة، مع وجود محاولات لتقدير حالة المصاب والتنبؤ بمسار المرض أو الإصابة.

وتعد هذه الجوانب من أكثر ما يلفت الباحثين في النصوص الطبية المصرية القديمة، لأنها تقدم لنا صورة عن ممارسة طبية عملية لا تعتمد فقط على الوصفات، وإنما على مراقبة حالة المريض وتطور الأعراض.

الطب والجانب الديني

وفي الوقت نفسه، لم يكن الطب المصري القديم منفصلًا بصورة كاملة عن معتقدات المجتمع الدينية والسحرية؛ إذ تظهر في بعض النصوص تعاويذ وممارسات ذات طابع ديني إلى جانب الوصفات الطبية.

وهذا يعكس طبيعة المجتمع المصري القديم، الذي لم يكن يضع حدودًا واضحة بالمعنى الحديث بين الجوانب الدينية والعملية في التعامل مع المرض.

لذلك فإن قراءة النصوص الطبية القديمة تحتاج إلى النظر إليها في سياقها التاريخي والثقافي، وليس إسقاط المفاهيم الطبية الحديثة عليها.

الطبيب في مصر القديمة

وتكشف الآثار والنقوش كذلك عن مكانة الأطباء وتخصصاتهم، إذ عُرف في مصر القديمة عدد من الأطباء الذين ارتبطوا بالقصر الملكي أو بالمؤسسات المختلفة.

كما تشير الأدلة إلى وجود تخصصات مرتبطة بأجزاء أو وظائف معينة من الجسم، وهو ما يعكس قدرًا من تقسيم المعرفة الطبية، وإن كان مفهوم «التخصص الطبي» في ذلك العصر يختلف بطبيعة الحال عن مفهومه في الطب الحديث.

وكان الطبيب يعتمد على المعرفة المتوارثة والملاحظة والخبرة العملية، إلى جانب النصوص والوصفات التي انتقلت بين الأجيال.

هل كان المصري القديم يعرف الجراحة؟

تقدم بعض النصوص، وعلى رأسها بردية إدوين سميث، أوصافًا لإصابات تتطلب التعامل مع الجروح والكسور ومشكلات مرتبطة بالرأس والجسم.

لكن من المهم تجنب المبالغة في وصف هذه الممارسات بأنها «جراحة حديثة»، فالمقصود هو وجود إجراءات علاجية وتدخلات عملية للتعامل مع بعض الإصابات وفق المعرفة المتاحة في ذلك الوقت.

وتظل هذه النصوص من أهم الشواهد على محاولة المصري القديم التعامل بصورة منهجية مع الإصابات بدل الاكتفاء بالممارسات الرمزية أو الدينية.

من البردية إلى الطب الحديث

وبعد مرور آلاف السنين، أصبحت هذه البرديات مصادر أساسية للباحثين في تاريخ الطب، ليس لأنها تقدم علاجًا صالحًا للاستخدام في العصر الحديث، وإنما لأنها توثق مرحلة مبكرة من تطور التفكير الطبي.

وتكشف هذه النصوص أن المصري القديم لم يكن ينظر إلى المرض باعتباره ظاهرة غامضة فقط، بل حاول وصف أعراضه، وفحص المصاب، وتجربة مواد مختلفة لعلاجه، وتسجيل المعرفة التي توصل إليها.

«دفاتر» تكشف وجهًا آخر للحضارة المصرية

وتبقى البرديات الطبية واحدة من أكثر الوثائق أهمية لفهم الحياة اليومية في مصر القديمة، لأنها تنقلنا من عالم الملوك والمعابد إلى عالم الإنسان العادي؛ الإنسان الذي كان يمرض ويتألم ويبحث عن العلاج.

ومن خلال هذه «الدفاتر» القديمة، تظهر صورة مجتمع امتلك معرفة طبية متراكمة، وترك نصوصًا تسمح للأجيال الحديثة بالتعرف على بدايات التفكير الطبي وتطور طرق التعامل مع المرض والإصابة.

وهكذا لا تحكي لنا الآثار المصرية فقط قصة الملوك والآلهة والمعابد، وإنما تروي أيضًا تفاصيل الحياة اليومية، ومن بينها واحدة من أكثر التجارب الإنسانية ارتباطًا بكل زمان ومكان: كيف حاول الإنسان أن يفهم المرض وأن يجد طريقًا إلى الشفاء.

تم نسخ الرابط