رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مقبرة نفرتاري على أعتاب العودة.. فحوص علمية تسبق قرار إعادة فتحها

مقبرة نفرتاري
مقبرة نفرتاري

«التي من أجلها تشرق الشمس».. بهذه الكلمات وصف الملك رمسيس الثاني زوجته الملكة نفرتاري، التي خلد اسمها في واحدة من أروع المقابر الملكية في مصر القديمة. 

وبعد عقود من الاكتشاف والترميم والدراسة، تعود مقبرة نفرتاري في وادي الملكات بالأقصر إلى دائرة الاهتمام مجددا، مع بحث إمكانية إعادة فتحها أمام الزائرين، وسط تأكيدات رسمية على أن حماية رسومها ونقوشها الاستثنائية ستظل العامل الحاسم في اتخاذ القرار.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تتجه فيه الجهات المعنية بالآثار إلى دراسة الحالة البيئية والفنية للمقبرة، باعتبارها من المواقع الأثرية شديدة الحساسية، التي يمكن أن تتأثر بارتفاع أعداد الزائرين والتغيرات في درجات الحرارة ونسب الرطوبة داخلها.

فحوص علمية قبل قرار إعادة الفتح

وخلال جولة تفقدية بعدد من المواقع الأثرية في الأقصر وقنا، تابع الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، حالة مقبرة الملكة نفرتاري، واطلع على الإجراءات العلمية المطلوبة للحفاظ على الرسوم والنقوش الجدارية الموجودة داخلها.

ووجه الليثي بإجراء الدراسات والفحوص اللازمة للتأكد من الحالة الفنية للمقبرة، إلى جانب متابعة درجات الحرارة ونسب الرطوبة بصورة منتظمة، باعتبارهما من أهم العوامل البيئية المؤثرة في سلامة الرسوم الجدارية، وذلك وفقا لما أعلنته وزارة السياحة والآثار.

ولا يرتبط بحث إعادة فتح المقبرة بمجرد إتاحة موقع أثري أمام حركة السياحة، إذ تفرض الطبيعة شديدة الحساسية لرسومها ونقوشها وضع ضوابط دقيقة للزيارة، بما يضمن الحد من التأثيرات الناتجة عن وجود أعداد كبيرة من الزائرين داخل المكان.

مقبرة نفرتاري.. تحفة فنية في وادي الملكات

تقع مقبرة نفرتاري في وادي الملكات بالأقصر، وتحمل الرقم 66، وتعد واحدة من أبرز المقابر الملكية التي خلفتها الحضارة المصرية القديمة.

واكتشفت المقبرة عام 1904 على يد بعثة إيطالية ترأسها عالم المصريات إرنستو شياباريللي، ومنذ ذلك الوقت أصبحت واحدة من أهم الشواهد على تطور الفن الجنائزي المصري القديم، لما تضمه من رسوم ملونة ونقوش دينية ذات مستوى فني استثنائي.

وخضعت المقبرة على مدار عقود لاهتمام متواصل بأعمال الحفظ والترميم. وبدأت المطالبات بالحفاظ عليها منذ عهد الملك فؤاد في ثلاثينات القرن الماضي، قبل إقرار مشروع لترميمها عام 1986.

وبعد أعمال الترميم، فتحت المقبرة أمام الزائرين وفق نظام الفتح الخاص، الذي يسمح بإتاحتها للزيارة في إطار ضوابط محددة، إلا أنها أغلقت أمام الجمهور في مارس 2024 لإجراء قياسات خاصة بنسب الرطوبة ودراسة مدى إمكانية إعادة فتحها، مع وضع قواعد تحول دون تعرضها للتأثر نتيجة ارتفاع أعداد الزائرين.

لماذا تثير مقبرة نفرتاري كل هذا الاهتمام؟

يرتبط جانب كبير من أهمية المقبرة بشخصية صاحبتها، فالملكة نفرتاري كانت الزوجة الملكية العظمى للملك رمسيس الثاني، أحد أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة.

وتتميز المقبرة ببرنامج فني وديني متكامل، تظهر فيه الملكة ضمن مشاهد مرتبطة برحلتها إلى العالم الآخر، إلى جانب نصوص دينية ورسوم تصور معتقدات المصريين القدماء حول الموت والبعث والخلود.

ويرى الدكتور حسين عبد البصير، عالم الآثار المصرية ومدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية، أن قرار إعادة فتح المقبرة يجب أن يستند أولا إلى نتائج الفحوص والدراسات العلمية الدقيقة التي تحدد حالتها ومدى قدرتها على استقبال الزائرين.

ووصف عبد البصير المقبرة بأنها واحدة من أكثر المواقع تميزا في وادي الملكات، مشيرا إلى أن قيمتها لا ترتبط فقط بتاريخها، وإنما بما تحمله من رسوم وألوان ونصوص جعلتها صفحة نادرة في تاريخ الفن المصري والإنساني.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نفرتاري كانت الزوجة الملكية العظمى للملك رمسيس الثاني، وإن مقبرتها تعد من أروع المقابر الملكية التي وصلت إلينا من مصر القديمة، لما تتميز به من جودة استثنائية في الرسم والتلوين والتكوين، إلى جانب ثراء برنامجها الديني والنصي.

وشدد عبد البصير على أن إعادة فتح المقبرة، إذا أكدت الدراسات العلمية سلامة حالتها وقدرتها على استقبال الجمهور، يجب أن تتم وفق ضوابط صارمة تحدد أعداد الزائرين ومدة الزيارة، مع استمرار مراقبة العوامل البيئية داخل المقبرة.

وأوضح أن القضية الأساسية لا تتمثل فقط في إمكانية فتح المقبرة أمام الجمهور، وإنما في كيفية إتاحتها للزائرين مع الحفاظ على حالتها للأجيال المقبلة.

ويعكس هذا الطرح طبيعة التحدي الذي تواجهه المواقع الأثرية شديدة الحساسية، إذ قد يؤدي ارتفاع أعداد الزائرين إلى تغيرات في درجات الحرارة والرطوبة، فضلا عن التأثيرات الناتجة عن وجود الإنسان داخل الأماكن المغلقة لفترات متواصلة.

زيارة محدودة ومراقبة مستمرة

ومن جانبه، يرى الدكتور عمر المعتز بالله، المتخصص في تاريخ وفلسفة الفن المصري القديم، أن دراسة إعادة فتح مقبرة نفرتاري ترتبط بإدارة أحد أكثر المواقع التراثية المصرية حساسية.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إعادة الفتح ينبغي أن تقوم على نموذج للزيارة المدارة، بحيث تكون أعداد الزائرين محدودة، وتحدد مدة الزيارة بدقة، مع مراقبة مستمرة لمستويات الحرارة والرطوبة ورصد تأثير الوجود البشري داخل المقبرة.

وأشار إلى أهمية الاعتماد على التوثيق الرقمي عالي الدقة، الذي يمكن أن يتيح للباحثين والجمهور فرصة واسعة للتعرف على المقبرة ومحتوياتها، من دون أن تتحول الزيارة المباشرة إلى عامل ضغط على مادتها الأصلية.

كما طرح أهمية استخدام وسائل حماية مناسبة للرسوم والنقوش، بما يضمن تقليل التأثيرات المباشرة عليها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية مشاهدتها ودراستها.

جولة أثرية موسعة في الأقصر وقنا

وجاءت متابعة مقبرة نفرتاري ضمن جولة أجراها الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار بعدد من المواقع الأثرية في محافظتي الأقصر وقنا، حيث تابع أعمال الترميم والحفائر والتطوير، واطلع على الحالة الفنية والإنشائية لعدد من المعابد والمقابر.

وشملت الجولة معبد الرامسيوم، ومقبرة الملك رمسيس التاسع في وادي الملوك، واستراحة ستوبلير، ومقبرة «بادي آمون أوبت» في منطقة العساسيف، المعروفة بمقبرة الوطاويط، إلى جانب مقبرة الملكة نفرتاري في وادي الملكات ومعبد دندرة بمحافظة قنا.

وتكشف هذه الجولة عن استمرار أعمال المتابعة العلمية والفنية للمواقع الأثرية، بالتوازي مع دراسة آليات إتاحتها أمام الزائرين بما يتناسب مع طبيعة كل موقع وحالته.

السياحة أمام اختبار الحفاظ على الأثر

وتعيد قضية مقبرة نفرتاري طرح سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين إتاحة المواقع الأثرية أمام السياح والحفاظ على كنوزها للأجيال المقبلة.

فالمقبرة لا تمثل مجرد موقع سياحي في وادي الملكات، وإنما وثيقة فنية وتاريخية نادرة توثق جانبا من معتقدات المصريين القدماء وفنونهم، وهو ما يجعل أي قرار بشأن فتحها مرتبطا بنتائج القياسات والفحوص العلمية قبل الاعتبارات السياحية.

وبحسب المتخصصين، فإن نجاح تجربة إعادة فتح المقبرة لن يقاس بعدد الزائرين الذين سيتمكنون من دخولها، وإنما بمدى القدرة على الجمع بين الإتاحة والحماية، بحيث تستمر المقبرة في استقبال المهتمين بتاريخ مصر القديمة من دون أن يأتي ذلك على حساب سلامة رسومها ونقوشها.

وهكذا تعود مقبرة نفرتاري، التي وصفها رمسيس الثاني بأنها «التي من أجلها تشرق الشمس»، إلى الواجهة من جديد، ليس فقط باعتبارها واحدة من أجمل مقابر وادي الملكات، وإنما باعتبارها اختبارا حقيقيا لقدرة إدارة التراث على تحقيق معادلة دقيقة بين السياحة والحفاظ على واحدة من أندر روائع الفن المصري القديم.

تم نسخ الرابط