رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

صورة من ذاكرة الآثار..علماء الحملة الفرنسية أمام معبد دندرة بلوحة عمرها 200عام

لوحة الفنان الفرنسي
لوحة الفنان الفرنسي فرانسوا-مارتان تيستار

تحتفظ ذاكرة الآثار المصرية بصورة فنية توثق واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخ دراسة مصر القديمة بأوروبا، من خلال لوحة «Les scientifiques de la campagne d’Égypte devant le temple de Dendera»، أو «علماء الحملة الفرنسية على مصر أمام معبد دندرة»، التي رسمها الفنان الفرنسي فرانسوا-مارتان تيستار François-Martin Testard عام 1819.

ولا تصور اللوحة مشهدًا من المعارك التي صاحبت الحملة الفرنسية على مصر، وإنما تركز على جانب آخر من الحملة، هو النشاط العلمي والأثري الذي رافقها، وتحديدًا العلماء والباحثين الذين ارتبطوا بدراسة آثار مصر وتوثيق معالمها.

لوحة أمام أحد أشهر المعابد المصرية

يظهر في العمل عدد من العلماء المرتبطين بالحملة الفرنسية أمام معبد دندرة، في مشهد يعكس الاهتمام الأوروبي المتزايد بالآثار المصرية خلال تلك الفترة.

ويرتبط معبد دندرة بتاريخ طويل من العمارة والعبادة في مصر القديمة، وأصبح من المواقع التي جذبت اهتمام العلماء والرسامين والرحالة الأوروبيين، الذين سعوا إلى تسجيل النقوش والمناظر والعمارة المصرية في أعمالهم ودراساتهم.

وتحمل اللوحة قيمة تاريخية وفنية إلى جانب قيمتها التوثيقية، إذ تقدم تصورًا بصريًا للعلماء الذين ارتبطوا بالمشروع العلمي المصاحب للحملة.

من الحملة إلى «وصف مصر»

No photo description available.

جاءت الحملة الفرنسية على مصر خلال الفترة من 1798 إلى 1801، ولم تقتصر على العمليات العسكرية، إذ رافق نابليون بونابرت عدد كبير من العلماء والمهندسين والفنانين والرسامين ضمن لجنة العلوم والفنون.

وقام هؤلاء بتسجيل ودراسة جوانب متعددة من طبيعة مصر وآثارها وحياتها ومواردها، وأسهمت أعمالهم لاحقًا في إصدار الموسوعة الشهيرة «وصف مصر – Description de l’Égypte»، التي أصبحت من أبرز الأعمال الأوروبية المرتبطة بتوثيق مصر في مطلع القرن التاسع عشر.

وتشير المصادر الفرنسية إلى أن الحملة، رغم نهايتها العسكرية، كان لها أثر كبير في زيادة الاهتمام الأوروبي بمصر القديمة، وفي تطور الدراسات المرتبطة بالحضارة المصرية ونشأة علم المصريات في أوروبا.

لوحة عُرضت في صالون اللوفر

وتكتسب اللوحة أهمية إضافية من تاريخ عرضها، إذ تشير المصادر الرسمية لمتاحف إقليم إيزير إلى أنها عُرضت في صالون اللوفر عام 1819، أي بعد سنوات قليلة من انتهاء الحملة الفرنسية على مصر.

ويكشف هذا العرض عن مدى حضور موضوع مصر القديمة والحملة الفرنسية في الحياة الفنية والثقافية الفرنسية خلال تلك الفترة، حيث تحولت مشاهد العلماء والآثار المصرية إلى موضوعات تلقى اهتمامًا لدى الجمهور والمؤسسات الفنية.

أين توجد اللوحة اليوم؟

توجد اللوحة حاليًا ضمن مقتنيات متحف شامبليون في فرنسا، وتحمل رقم الاقتناء 2018.1.1.

ويبلغ حجمها نحو 81 × 130 سم، وتصف المصادر تقنية تنفيذها بأنها طباعة على ورق مثبتة على قماش ومعززة بألوان زيتية، فيما تورد مصادر متحفية وصفًا للعمل باعتباره زيتًا على قماش.

أكثر من مجرد مشهد فني

وتتجاوز أهمية اللوحة قيمتها الفنية، فهي تقدم شهادة بصرية على مرحلة شهدت انتقال دراسة الآثار المصرية إلى مستوى جديد من التنظيم والتوثيق في أوروبا.

وفي الوقت نفسه، فإن قراءة هذا العمل اليوم تتطلب وضعه في سياقه التاريخي الكامل؛ فالحملة الفرنسية كانت حملة عسكرية استعمارية انتهت بالانسحاب الفرنسي من مصر، إلى جانب النشاط العلمي الذي رافقها والذي ترك أثرًا طويلًا في الدراسات الأوروبية عن مصر القديمة.

ومن هنا تبدو اللوحة وكأنها تختصر جانبًا من المفارقة التاريخية للحملة: حضور عسكري قصير المدى، ونشاط علمي وتوثيقي ترك تأثيرًا ممتدًا في تاريخ دراسة الحضارة المصرية.

وبعد أكثر من قرنين على رسمها، لا تزال صورة العلماء الواقفين أمام معبد دندرة تستعيد تلك اللحظة التي أصبح فيها الأثر المصري موضوعًا للدراسة والتوثيق على نطاق واسع، لتبقى اللوحة نفسها جزءًا من ذاكرة تاريخ علم المصريات، وشاهدًا فنيًا على الطريقة التي نظر بها الأوروبيون إلى آثار مصر في القرن التاسع عشر.

تم نسخ الرابط