رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

ريناي.. مغنية آمون التي خلدها المصري القديم في تحفة من الأبنوس منذ 3500 عام

تمثال السيدة ريناي
تمثال السيدة ريناي

لم يكن الفنان المصري القديم ينحت تمثالًا فحسب، بل كان يمنح الخشب روحًا قادرة على تحدي الزمن، وهو ما يتجسد بوضوح في تمثال السيدة "ريناي"، إحدى أجمل القطع الفنية التي وصلت إلينا من عصر الدولة الحديثة، حيث تبدو ملامحها الهادئة ونظرتها الواثقة وكأنها ما زالت تنبض بالحياة رغم مرور ما يقرب من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام على نحتها.

 ويعد هذا العمل من أروع الشواهد على المكانة التي بلغها فن النحت المصري القديم، وقدرته على المزج بين الواقعية والجمال والرمزية في آن واحد.

ويعود التمثال إلى الأسرة الثامنة عشرة خلال فترة حكم الملكة حتشبسوت، إحدى أكثر الفترات ازدهارًا في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، وهي المرحلة التي شهدت نهضة كبرى في الفنون والعمارة والحرف الدقيقة، إلى جانب اتساع النفوذ المصري خارج الحدود، وهو ما وفر خامات فاخرة ومتنوعة للفنانين والحرفيين، كان من أبرزها خشب الأبنوس الذي صُنعت منه هذه القطعة الفنية الفريدة.

مغنية للإله آمون خلدها الفنان المصري القديم في واحدة من أروع التماثيل الخشبية.

ويكشف التمثال عن سيدة تدعى "ريناي"، وكانت تحمل لقب مغنية الإله آمون، وهو منصب ديني مهم داخل معابد طيبة، إذ كانت المغنيات يشاركن في الطقوس والشعائر الدينية والمواكب الاحتفالية الخاصة بالإله آمون، ما يعكس المكانة الرفيعة التي حظيت بها المرأة داخل المؤسسة الدينية في مصر القديمة، حيث لم يكن دورها يقتصر على الحياة الأسرية، بل امتد إلى المشاركة في الحياة الروحية والثقافية للمجتمع.

وأبدع الفنان المصري القديم في إبراز أدق تفاصيل ملامحها، فجاء الوجه مستديرًا في تناسق لافت، والعينان لوزيتين واسعتين مطعمتين بالعجينة الزجاجية، بينما رسم الحاجبان بخطوط دقيقة تمنح الوجه هدوءًا وهيبة، في حين جاءت الابتسامة الرقيقة لتعكس أسلوبًا فنيًا راقيًا اشتهرت به تماثيل الدولة الحديثة، حيث ابتعد الفن عن الجمود واتجه إلى التعبير عن المشاعر الإنسانية بصورة أكثر واقعية.

ولعل أكثر ما يلفت الأنظار في التمثال هو تسريحة الشعر، إذ تظهر "ريناي" مرتدية باروكة طويلة ذات جدائل دقيقة تنسدل على الجانب الأيسر من الوجه، وهي إحدى أشهر صيحات تصفيف الشعر في عصر الدولة الحديثة، وتعكس اهتمام المرأة المصرية القديمة بالأناقة والجمال، حتى في أوساط العاملات داخل المعابد.

 وتؤكد هذه التفاصيل أن المصريات قبل آلاف السنين لم ينظرن إلى الزينة باعتبارها مظهرًا ثانويًا، بل كانت جزءًا من الهوية الاجتماعية والثقافية.

تفاصيل الوجه وتسريحة الشعر تكشفان عبقرية النحت في عصر الملكة حتشبسوت.

كما ترتدي "ريناي" قلادة عريضة تلتف حول العنق، وهي من أشهر الحلي المصرية القديمة، وقد جاءت منحوتة بعناية فائقة لتضيف مزيدًا من الفخامة إلى التمثال، بينما يقف الجسد في وضع هادئ ومتزن يعكس الوقار والسكينة، وهو أسلوب اتبعه النحات المصري لإظهار المكانة الاجتماعية والدينية لصاحبة التمثال.

ويُصنف هذا العمل ضمن أرقى التماثيل الخشبية التي أنتجتها ورش النحت في الدولة الحديثة، ليس فقط لجماله الفني، ولكن أيضًا بسبب الخامة المستخدمة في صناعته. 

فقد كان خشب الأبنوس من الأخشاب النادرة والثمينة التي جُلبت إلى مصر عبر البعثات التجارية والحملات العسكرية إلى الجنوب، ولذلك ارتبط استخدامه بالأعمال الفنية الراقية والتماثيل الخاصة بالنخبة وكبار رجال الدين وأفراد الطبقات الثرية.

ويؤكد علماء الآثار أن ازدهار صناعة التماثيل الخشبية في الأسرة الثامنة عشرة جاء نتيجة لتوافر أخشاب ذات جودة عالية، وهو ما منح الفنان المصري مساحة أكبر للإبداع، فأصبحت التماثيل أكثر نعومة في التشكيل، وأكثر دقة في إبراز تفاصيل الوجه والملابس والحلي، حتى باتت تبدو أقرب إلى صور حقيقية لأصحابها.

قطعة فنية نادرة من خشب الأبنوس تستقر اليوم في متحف بوشكين للفنون الجميلة بروسيا

ورغم أن "ريناي" لم تكن ملكة أو أميرة، فإن تمثالها نجح في أن يصبح أحد أبرز النماذج التي تجسد مكانة المرأة المصرية القديمة، إذ يجمع بين الجمال والرقي والهيبة، ويعكس الدور الذي لعبته النساء في الحياة الدينية والاجتماعية خلال عصر الدولة الحديثة، وهو ما يؤكد أن الحضارة المصرية لم تحتفِ بالملوك وحدهم، بل خلدت أيضًا شخصيات كان لها حضور مؤثر داخل المجتمع.

واليوم، تستقر هذه التحفة الفنية داخل متحف بوشكين الحكومي للفنون الجميلة في موسكو بروسيا، حيث تعد من أبرز مقتنيات قسم الآثار المصرية، ويقف أمامها الزوار من مختلف أنحاء العالم مبهورين بقدرة فنان عاش قبل آلاف السنين على تحويل قطعة من خشب الأبنوس إلى عمل فني خالد، ما زال يحتفظ بسحره ورونقه وكأنه نُحت بالأمس.

ويظل تمثال "ريناي" شاهدًا على أن الحضارة المصرية القديمة لم تُبدع في تشييد المعابد والأهرامات فحسب، بل صنعت أيضًا فنًا إنسانيًا راقيًا استطاع أن ينقل ملامح الإنسان ومشاعره وذوقه عبر آلاف السنين، ليؤكد أن الجمال الحقيقي لا يقاس بالزمن، وأن المرأة المصرية كانت، ولا تزال، مصدرًا للإلهام والإبداع عبر العصور.

تم نسخ الرابط