ساعات بين جثامين الموتى.. رحلة العبقري الألماني الذي هزم البلهارسيا في مصر
بين جدران قصر العيني العتيق، لا تنام الأسرار بل تحيا لتلهم الأجيال، ومع اقتراب الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس هذا الصرح الطبي العظيم، يفتح قصر العيني خزائن ذكرياته ليطلق سلسلة مقالات أسبوعية مثيرة تكشف حكايات الآباء المؤسسين لأول مدرسة طب في الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه السلسلة، تبرز قصة عالم شاب جاء من صقيع ألمانيا ليدفعه شغفه المجنون بالتشريح إلى المكوث ساعات طويلة وسط جثامين الموتى بالقاهرة، متتبعًا خيوط وحش خفي أنهك أجساد الفراعنة والأجداد، حتى نجح في فك شفرته وتخليد اسمه في قلب مصر إلى الأبد.
نقطة الضوء في العصر المظلم
شهد عهد عباس باشا الأول تحولات إدارية وعلمية كبرى في المنظومة الصحية بمصر، حيث استعانت الحكومة بالإدارة الطبية الألمانية للإشراف على شؤون الصحة، ورغم حالة التدهور الشديد التي طالت مدرسة الطب والتعليم الطبي خلال تلك الحقبة، إلا أن بارقة الأمل الوحيدة والإنجاز العلمي الخالد الذي أضاء ذلك العصر كان وجود العالم الفذ تيودور بلهارس.
نجح بلهارس في تحقيق كشف تاريخي لمرض البلهارسيا، وهو الإنجاز الذي لا تزال مسوداته ومدوناته الأصلية محفوظة حتى يومنا هذا كشاهد حي داخل متحف تاريخ طب قصر العيني، لتروي للزوار كيف كان هذا العالم يقضي وقته في فحص الموتى للوصول إلى المسبب الحقيقي لهذا الداء المتوطن.
من بساطة ألمانيا إلى سحر القاهرة
بدأت رحلة هذا العالم الإنساني عندما ولد في 23 مارس 1825 بمدينة زيجمار ينجن الصغيرة في جنوب ألمانيا، لأب يعمل موظفا في البلاط وأم سويسرية، ظهر ذكاؤه وفطنته منذ دراسته الثانوية ونظمه للشعر في صباه، ثم التحق عام 1843 بجامعة فرايبورج لدراسة الطب، وتأثر بأستاذيه شرايبر وأستاذ التشريح العبقري أرنولد اللذين تركا أثرا بالغا في تقدمه العلمي حتى تخرجه عام 1849.
ولأن شغفه بعلمي التشريح والحيوان كان جارفًا، سارع بتلبية دعوة أستاذه في الطب الباطني جريزنجر للسفر معه إلى مصر عام 1850 للعمل مديرا للجنة الطبية وتنظيم شؤون الصحة العامة.
الكشف المزلزل ولغز دودة الدم
في القاهرة، بدأ بلهارس مسيرته مساعدا لأستاذه جريزنجر يلقي المحاضرات في مدرسة طب قصر العيني، ثم انتقل رسميا لخدمة الحكومة المصرية مكلفا بالإشراف الطبي على أحد الأقسام الإكلينيكية، وهناك بدأ على الفور في تحري الطفيليات الحيوانية التي أوصاه معلمه الشهير فون زيبولد بالبحث فيها.
وفي عام 1851، حقق بلهارس كشفه الطبي المزلزل برصد دودة تعيش في الدم أطلق عليها اسم هيماتوبيوم، والمعروفة اليوم في العالم أجمع باسم بلهارسيا، وصف العالم الألماني الدودة بدقة بالغة مبينا للمجتمع العلمي كيف يختلف فيها الذكر عن الأنثى، موضحا أن المفلطحة العريضة هي الذكر وتضم في جوفها الأنثى الدقيقة في حالة مجامعة مستمرة.
وفي مارس 1852، أثبت أن البيض المتكدس في الكيس المثاني هو المسؤول الأول عن التغيرات المرضية في المسالك البولية، ثم كشف بعد ذلك عن بيض مماثل في الأمعاء يسبب أوراما تؤدي إلى الدوسنتاريا.
تضحية حتى الموت وعشق لأرض مصر
رغم عودة معلمه جريزنجر إلى وطنه في مايو 1852، آثر بلهارس البقاء في مصر عشقا لعلمها، فتم تعيينه طبيبا أول في قسم الجراحة عام 1853، ثم كبيرا للأطباء فأستاذا للتشريح الوصفي عام 1856، حيث استمر في إلقاء محاضراته على طلبة قصر العيني بجانب إشرافه الإكلينيكي، مخلفا وراءه أبحاثا مهمة في فسيولوجيا العضلات وكتابا قيما عن مشكلة الطاعون في مصر.
واستمرت رحلة عطائه حتى وافته المنية مضحيا بحياته عام 1862 عن عمر يناهز 37 عاما إثر إصابته بحمى التيفود خارج مصر، ليعود ويدفن في أرض مصر التي خلدت اسمه في سجلات المجد الطبي إلى الأبد.


